*المبحث الثاني*
الدراسة الفيزيولوجية للصوامت الشديدة.
المطلب الأول: أساسيات الدراسة.
المطلب الثاني: مخارج الصوامت الشديدة.
المطلب الثالث: صفات الصوامت الشديدة.
المبحث الثاني: الدراسة الفيزيولوجية للصوامت الشديدة.
المطلب الأول: أساسيات الدراسة.
نتناول في هذا المبحث الصوامت الشديدة بالدراسة والتحليل، وبيان خصائص كل صامت، وتختار منها مجموعة محددة وهي: التاء و الدال والطاء والضاد، واختيرت هذه الصوامت على أساس أنها تشترك جميعا في مخرج واحد، إذ أنه من بين أهداف هذه الدراسة كشف الفروق الدقيقة بين أفراد هذا النمط من الصوامت المتقاربة مخرجا، وكذلك لوجود صفات القوة فيها، فهي تمتاز بالشدة كصفة مشتركة بينها، كما يمتاز بعضها بالجهر، والتفخيم ....
وسوف نركز في دراستنا أساسا على الجانب الفيزيائي لهذه الصوامت، لأنه أقرب لبيان الاختلافات الموجودة بين أفراد هذه المجموعة، ثم أنه ما زال مجالا بكرا لم يستوف حقه من الدراسة والتحليل في جامعاتنا.
أما الجانب الفيزيولوجي فسوف نتطرق إليه بشكل عام، من خلال الاعتماد على دراسات مخبرية سابقة في هذا الموضوع، واستعمال ما يتاح لنا من وسائل مساعدة على بيان الخصائص الفيزيولوجية للصوامت المدروسة وخاصة فيما يتعلق بجانب الصفات، ولا بد أن نذْكُرَ أنه من الصعوبة بمكان أن نحصل على جميع الأجهزة التي تمكننا من دراسة هذه الصوامت فيزيولوجيا، لذلك فإننا نعتمد أيضا على وصف الدارسين المحدثين لهذه الصوامت، لنصل في الأخير إلى التحديد الدقيق لمخارجها وصفاتها، وفي الحقيقة فإن هذه الدراسة الفيزيولوجية إنما جُعلت لأجل المقارنة بين وصف القدامى والمحدثين لهذه الصوامت، وبيان نقاط الاتفاق والافتراق. فيها.
نختار في دراستنا هذه مجموعة من الكلمات التي تحتوي على الصوامت المدروسة الطاء، التاء، الدال، الضاد. بحيث يكون الصامت المدروس في وسط الكلمة أي أنه في بيئة صوتية وسطية[1]، ويكون مسبوقا بحركة الفتحة المرققة في كل النماذج المختارة، حتى نؤكد التماثل في تأثير الصامت المفتوح الذي يسبق الصامت المدروس، وقد اخترنا لهذا الغرض من الكلمات تبينها القائمة الآتية: - صامت التاء: ( كَتَبَ ). [kataba]
- صامت الدال: ( مَدَحَ ). [madaha]
- صامت الطاء: ( هَطَلَ ). [hatala]
- صامت الضاد: ( مَضَغَ ). [madaga]
بالإضافة إلى كلمات أخرى تستعمل لغرض الملاحظة أو المقارنة وهي : (التَّرَف – وقْتْ - تَائب – الدَّرَجة – مجْدْ- دَائم– الطَّرَف – ربْطْ – طَائر– الضَّلَال – قبْضْ ضَابط) ونحتاج أيضا إلى نطق هذه الصوامت في حالة سكونها، أي : تْ – دْ – طْ – ضْ ، كما نستعمل بعض الصوامت الرخوة لأجل المقارنة وهي : السين والصاد والزاي والتي أخذت من الكلمات : ( السَّلَام – الزَّكَاة – الصَّفَاء )
أما عينة الأشخاص الذين ينطقون بهذه الكلمات فقد اختيروا على أساس سلامة نطقهم من عيوب الكلام، وأن لغتهم الأصلية هي العربية أي لغة المنشأ بالنسبة لهم، تجنبا لاحتمال وجود أي تأثير لغوي أجنبي .
الأول: عبد الحق ز، من مواليد 1974 .
الثاني: بوزيد خ من مواليد 1977.
وكلاهما نشأ بمنطقة ميلاده، وقضى الجزء الأكبر من عمره بها، ولم يغادرها إلى منطقة أخرى، مع إجادتهما اللغة العربية الفصحى، كما أن نطقهما لم يتأثر بأي نطق أجنبي بالشكل الذي يغير من طبيعة الصوامت المدروسة .
ونشير هنا إلى ملاحظة هامة تتعلق بحرف الضاد الذي لا يعتبر من الصوامت الشديدة بالنطق الشائع والمتداول عندنا، وحقيقة هذا الصامت « أن له تأديتان: تأدية مطابقة لنطق الظاء وهي السائدة في المغرب العربي، وتأدية تجعله دالا مفخمة وهي النطق السائد في المشرق»[2] ونحن إذا اعتبرنا أنه من الصوامت الشديدة فإننا قد أخذنا بعين الاعتبار طريقة نطقه في المشرق لا في المغرب، وهو النطق الذي يجعله دالا مفخمة، ونشير إلى أن هذا النطق موجود أيضا بالعديد من مناطق الجزائر كالعاصمة وغيرها. استعمال الأبجدية الصوتية الدولية:
تختلف رموز الأصوات وتتغير كلما انتقلنا من لغة إلى أخرى, فليس هناك في الأصل رموز موحدة متفق عليها بين دارسي اللغات، وهذا ما أثار اللبس عند تحديد الأصوات وتعريفها، وخاصة تلك المشتركة بين اللغات، ولأجل هذه الإشكالية اُقترحت الأبجدية الصوتية الدولية. «وقد استطاع المحدثون بعد تجارب كثيرة ودراسات مستفيضة ورحلات طويلة، أن يجمعوا لنا الكثرة الغالبة من تلك الأصوات الإنسانية، وأن يصفوها وصفا دقيقا، ويسجلوا منها نماذج منطوقة على أشرطة واسطوانات، ثم رمزوا لكل منها برمز خاص اصطلحوا عليه، وقام لديهم بمثابة رسم عالمي، وهكذا نظروا إليها نظرة عالمية بصرف النظر عما ينتمي إليه الصوت من اللغات، ثم كان أن كوَّنوا لهم هيئة عالمية لا همَّ لها إلا تصنيف الأصوات الإنسانية والرمز لها. وإذا استعرضنا تلك الأصوات التي جمعوها وجدنا قدرا مشتركا منها بين معظم اللغات، كما نجد منها ما يختص بلغة من اللغات أو فصيلة من الفصائل اللغوية»[3]. وتتجلى أهمية الكتابة الصوتية «في أنها تستخدم لإزالة اللبس بالنسبة للرموز الخطية التي تمثل أكثر من صوت، وإزالةُ اللبس عن طريقة الكتابة الصوتية يعد مدخلا أساسيا لمعرفة التكوين الصوتي للكلمات وتحليلها تحليلا مقطعيا دقيقا»[4]. «هذه الكتابة الصوتية تختلف باختلاف الدراسات اللغوية، فالدراسة اللغوية الوصفية تكون رموز الكتابة الصوتية فيها لا تخرج عن إطار أبجدية اللغة المدروسة، مع بعض الإضافات أو التغييرات التي تجعل التمثيل الخطي للأصوات المنطوقة تمثيلا دقيقا»[5] وقد قامت الأبجدية الصوتية الدولية بتصنيف الأصوات وإحصائها بكل تنوعاتها المختلفة، «قام هذا التصنيف على حسب المخارج الصوتية، والأوضاع التي تتعرض هذه المخارج. »[6]من ذلك مثلا: أن صفة الإطباق رُمز لها بالرمز( X ) ، وصفة الانفتاح بالرمز( \ )، أما الجهر فقد رمز له بالرمز (۷)، والهمس بالرمز (۸)، ورمز للتفخيم والاستعلاء بالرمز (.) [7] أما الصوامت التي سنتناولها في هذه الدراسة، وهي التاء والدال والطاء والضاد، فإن رموزها وفق الأبجدية الصوتية الدولية هي على التوالي: d , t , d , t بإضافة نقطة تحت رمز الصوت الأصلي إشارة للتفخيم بالنسبة للصامتين الأخيرين[8] وهناك رمز أخر للتفخيم وهو كتابة الحرف المفخم بشكله الكبير، فيرمز للطاء والضاد بالرمزين D.T على التوالي[9].« ورمزوا للانحباس وهو سمة صوتية تتمثل في عدم خروج الهواء عن نطق الصوت بالرمز (_)[10] وبهذه الصورة، تكون الأبجدية الصوتية الدولية قد ألمت بوصف قدر كبير من الأصوات مع مخارجها وصفاتها، وتناولتها في مختلف أحوالها وأوضاعها، فكانت خير تمثيل للأصوات اللغوية، بالإضافة إلى أنها وحدّت الرموز بين كل دارسي اللغات، خاصة عند تناول الجوانب الصوتية في لغة ما، وأزالت اللبس والغموض والاختلاف الذي كان سائدا في الرموز قبل الأبجدية الصوتية الدولية.
وكما أن للأبجدية الصوتية فوائدها فـ« إنها -ككل الدساتير والقوانين الرسمية- نظام محافظ بطيء التغيير بالنسبة لما أحرزه علم الأصوات حديثا من معلومات جديدة، ولهذا فليس بغريب أن نجد بعض الكتاب يدخلون تعديلات جزئية على هذه الأبجدية بناءً على احتياجاتهم ووجهات نظرهم»[11] المطلب الثاني:مخارج الصوامت الشديدة.
ندرس الصوامت الشديدة -كما تجري العادة- ابتداءً بدراسة المخارج ثم الصفات، وذلك لأن الصوت اللغوي يتميز بـ «هذه الثنائية المكونة من المخرج والصفة»[12] فالمخرج «هو مكان حدوث الصوت داخل الجهاز الصوتي، والصفة ونعني بها كيفية حدوث الصوت»[13]ونتناولها بالترتيب حسب شيوعها في الاستعمال، فالتاء أكثر الوقفيات شيوعا ثم الدال، يليه الطاء، وأخيرا الضاد[14]. وكل صامت من الصوامت الشديدة يمر بمراحل ثلاثة عند إنتاجه وهي:
«وقد جعل بعض المعاصرين إصدار الأصوات الشديدة يتم على أربع مراحل : الأولى تسمى مرحلة الإغلاق closure phase ، والثانية مرحلة الحجز hold phase والثالثة مرحلة الإطلاق release phase ، وأما الرابعة فهي مرحلة ما بعد الإطلاق the poster release phase »[15] وفي كل مرحلة من هذه المراحل يتخذ جهاز النطق أوضاعا معينة لإنتاج الصامت الشديد، يمكن ضبط هذه الأوضاع المختلفة وفي جميع المراحل باستعمال التصوير بالأشعة للمتكلم أثناء نطقه بهذه الصوامت ثم تؤخذ الصور الخاصة بكل مرحلة من المراحل.
وقد قام الكثير من الدارسين المحدثين بوصف الصوامت الشديدة من حيث المخارج والصفات، وفصلوا في ذلك تفصيلا وافيا، مبينين كيفية حدوث الصامت، ومختلف الأوضاع التي يتخذها جهاز النطق عند إخراج الصامت من مرحلة الانحباس وحتى مرحلة ما بعد الانفجار .
«يقف الهواء وقوفا تاما حال النطق بالتاء عند نقطة التقاء طرف اللسان بأصول الثنايا العليا ومقدم اللثة، ويضغط الهواء مدة من الزمن، ثم ينفصل اللسان فجأة تاركا نقطة الالتقاء، فيحدث صوت انفجاري، ولا تتذبذب الأوتار الصوتية حال النطق بالتاء.
فالتاء إذن: صوت أسناني-لثوي، وقفة انفجارية، مهموس».[16] «وصوت الدال هو النظير المجهور للتاء، وليس بينهما من فرق إلا أن الوترين الصوتين يتذبذبان مع الدال في أثناء النطق.
فالدال صوت أسناني-لثوي، وقفة انفجارية، مجهور»[17]. و«لا يوجد خلاف في الصفات الصوتية بين هذين الصوتين ما عدا صفتي الجهر والهمس، زيادة على أن التاء فيها قدر من التنفيس ليس في الدال»[18] «صوت الطاء هو النظير المفخم للتاء، فشكل اللسان مع الطاء يكون غير شكل اللسان مع التاء، ففي حالة النطق بالطاء يرتفع مؤخر اللسان نحو أقصى الحنك ويتأخر قليلا نحو الجدار الخلفي للحلق، ويرى بعضهم أنه في حالة النطق بالطاء يكون اللسان مقعرا أي يرتفع أقصاه وطرفه مع تقعير وسطه، وهذا هو المقصود بالإطباق عند علماء العربية، فهو صوت مطبق أو مفخم وليست كذلك التاء فهي مرققة.
فالطاء إذن: صوت أسناني- لثوي، وقفة انفجارية، مهموس، مفخم أو مطبق»[19]. ولعل كمال بشر يقصد بقوله "مطبق أو مفخم " وقوله " مفخم أو مطبق " أن هذا الصامت من حروف الاستعلاء، لأن التفخيم غير الإطباق. «هو النظير المجهور للطاء، فلا فرق بينهما إلا أن الطاء صوت مهموس والضاد صوت مجهور، كما أنه لا فرق بين الدال والضاد إلا أن الضاد مطبق (مفخم) والدال لا إطباق فيه.
فالضاد إذن: صوت أسناني- لثوي، وقفة انفجارية، مجهور، مفخم (مطبق)»[20]. وعندما نلاحظ الرسومات[21] التي تمثل جهاز النطق وأوضاعه عند أداء صامتي التاء والدال، فإننا نجد تماثلا في مخرجيهما، حيث يكون الجهاز في الوضعية نفسها تقريبا حال النطق بهما، وذلك بسبب أنهما صامتان مرقّقان، فلا نلاحظ في كليهما أي تقعر في اللسان، كما أن العكدة لا تكون مقتربة من الجدار الخلفي للحلق. ويختلفان في نشاط الأوتار الصوتية الذي يكون مع صامت الدال، ولا يحدث مع صامت التاء، كما يمكن أن نلاحظ الفرق بينهما من خلال مقارنة صورتي مخرجيهما التي تبين أن شكل تجويف الحلق يكون متسعا أكثر مع صامت التاء المهموس، وترتفع الحنجرة إلى الأعلى مع اتساع مدخلها ورجوعه إلى الحلق، بينما لا يحدث ذلك مع صامت الدال.
أما بالنسبة لصامتي الطاء والضاد، فإننا نلاحظ من خلال رسم[22] جهاز النطق ذلك التماثل أيضا في وضعيته مع كلا الصامتين، وأهم ما يميز هذه الوضعية تقعر اللسان واقتراب عكدته من الجدار الخلفي للحلق، وهذا ما يفسر لنا تفخيمهما. أما الاختلاف بينهما فيكون في الجهر والهمس، لأن الطاء مهموس والضاد مجهور، ويكون أيضا في شكل ظهر اللسان ووضعيته المرتفعة في تجويف الفم مع صامت الطاء وانعدام ذلك مع الضاد، الذي يتميز هو أيضا بنزول الحنجرة عكس ما هو عليه في صامت الطاء .
أما بعد الانفجار فإننا نلاحظ في الرسم[23] أن اللسان يبقى في وضعيته التي كان عليها قبل الانفجار، وذلك في وسطه وجزئه الخلفي، لذلك تأتي الفتحة التي بعد الضاد والطاء مفخمة، وبالنسبة للفتحة التي تأتي بعد صامتي التاء والدال فإنها تكون مرققة. أما إذا قارنَّا بين صامتي الدال والضاد، فإن الفرق بينهما يعود إلى الاختلاف الملحوظ في شكل اللسان –مع الضاد- الذي تتحرك عكدته نحو الجدار الخلفي للحلق، فَتُضَيِّقُ مجرى الهواء إلى ما يقارب النصف من اتساعه مع صامت الدال المرقق، إضافة إلى أن وسط اللسان يكون مقعرا مع الضاد، ومستويا مع الدال. وهذا كل ما يميز الحروف المفخمة عن المرققة.
والشيء نفسه يمكن أن نلاحظه عند مقارنة صامت التاء بصامت الطاء ، فالتجويف الحلقي يكون متسعا مع التاء وضيقا مع الطاء بسبب رجوع العكدة نحو الجدار الخلفي للحلق، وتقعر اللسان مع الطاء وانعدام ذلك مع التاء، وكذلك نزول الحنجرة مع التاء وارتفاعها مع الطاء.
المطلب الثالث:صفات الصوامت الشديدة.
« الشدة هي أن يحبس مجرى الهواء الخارج من الرئتين حبسا تاما في موضع من المواضع، وينتج عن هذا الحبس أو الوقف أن يضغط الهواء ثم يطلق سراح المجرى الهوائي فجأة، فيندفع الهواء محدثا صوتا انفجاريا »[24]. « وقد اختلف الدارسون في مصطلح الشدة فمنهم من أبقى عليه كما جاء في التراث، ومنهم من عربوا occlusive بانسدادي وانفجاري وشديد، وexplosive بانفجاري، وplosive بانفجاري، وstop بانفجاري ووقفي وشديد»[25] أما الرخاوة - وهي الصفة المقابلة للشدة - فتعرّف بأنها «تضييق في مجرى الهواء الخارج من الرئتين في موضع من المواضع، ويمر من خلال منفذ ضيق نسبيا، فيُحدِث في خروجه احتكاكا مسموعا، والنقاط التي يضيق عندها الهواء كثيرة متعددة»[26] ويطلق على الأصوات الرخوة مصطلح "الأصوات الاحتكاكية" أيضا. وإذا كانت الشدة في جوهرها ناتجة عن فعل فيزيولوجي، فإنها لا بد أن تترك أثرا صوتيا يدل عليها، نستطيع أن نسجله باستعمال رواسم الذبذبات المختلفة، ويمكن عندئذ أن نلاحظ أثر الشدة في هذا التسجيل، ولأجل هذا الغرض نستعمـل راسم الذبذبـات sound forge 8.0 وهو برنامج متطور يفي بالغرض المطلوب، ثم نصل جهاز الحاسوب بميكرفون عادي، وينطق المتكلم بالكلمات التي تحتوي على الصوامت الشديدة المدروسة وهي : ( التَّرَف - الدَّرَجة – الضَّلَال– الطَّرَف ).
ثم نقوم بتسجيل ذبذبات لبعض الأصوات الاحتكاكية، وذلك لأجل مقارنة عامة بين ذبذبات الصوت الرخو وذبذبات الصوت الشديد، فنقابل صامت التاء بصامت السين، وصامت الدال بصامت الزاي، وصامتا الطاء والضاد بصامت الصاد، فينطق المتكلم بمجموعة من الكلمات المختارة لهذا الغرض، والتي تحتوي على الصوامت الرخوة المطلوبة، هذه الكلمات هي: الصّفاء – الزّمان – السّلام . وقد اختيرت هذه الصوامت الاحتكاكية لمقارنتها بالصوامت الشديدة وذلك لأن « الفرق بين التاء والسين محدود جدا، ويتمثل في المخرج والانفجار والاحتكاك، فالسين صوت لثوي احتكاكي مهموس، وأما التاء فصوت لثوي أسناني انفجاري مهموس، والفرق في المخرج ضئيل لا يعتد به كثيرا »[27] فهذه الصوامت المذكورة هي أقرب الصوامت الاحتكاكية مخرجا من التاء والدال والطاء والضاد، على اعتبار أنها حروف أسلية. ويمكن بعد النظر في رسومات الذبذبات أن نسجل الملاحظات التالية :
عند النطق بكلمة "التّرف" ذات التاء المشددة، فإن الهواء ينحبس انحباسا تاما عند المخرج المغلق لصامت التاء، ولا يندفع لا قليلا ولا كثيرا في هذه الفترة، وذلك ما يبينه رسم الذبذبات لهذا المقطع الذي لم يُظهر فيه أي ذبذبة صوتية .
أما مع صامت السين فإننا نلاحظ في تسجيل ذبذبات كلمة : - السّلام - وجود ذبذبات صوتية عالية الشدة تشير إلى الاحتكاك الموجود في صامت السين، وذلك قبل انتهاء الاعتماد على المخرج، مما يدل على جريان الصوت أثناء النطق بهذا الصامت الاحتكاكي. وهذا هو ما يفرق بين الصوامت الشديدة والرخوة من هذا المنظور .
أما مع صامت الدال الموجود في كلمة "الدّرجة" فإن المجرى الهوائي ينغلق كليا أيضا كما في حالة التاء أثناء نطق هذا الصامت، ويمكن أن نلاحظ ذلك في رسم الذبذبات الذي لا يُظهر أي ذبذبة صوتية على هذا المستوى، مما يدل على أن الدال من الصوامت الشديدة وذلك إذا ما أهملنا وجود ذبذبات ضعيفة الشدة مسجلة في مرحلة الحبس، وهي في الحقيقة تدل على الجهر أو على نشاط الأوتار الصوتية، لا على الاحتكاك في هذا الصامت.
وعند مقارنة الدال بالصامت الاحتكاكي المقابل له وهو صامت الزاي الموجود في كلمة – الزّكاة - فإننا نلاحظ في تسجيله وجود ذبذبات صوتية عالية الشدة تشير إلى الاحتكاك فيه، وذلك قبل انتهاء الاعتماد على المخرج، وهذا الاختلاف القائم بينهما في رسم الذبذبات هو الذي يشير إلى الفرق الموجود بين الصامتين من حيث الشدة والرخاوة من خلال هذا المنظور .
ويمكن أن يقال عن صامت الطاء ما قيل عن سابقيه، فعند النطق بكلمة "الطّرف " يحدث الحبس في المجرى الهوائي عند النطق بهذا الصامت، قبل مرحلة انفجاره، أي قبل زوال الاعتماد على المخرج، ونتبين ذلك من خلال رسم الذبذبات الذي لا نلاحظ فيه أي نشاط صوتي في فترة الحبس، مما يدل على أنه صامت شديد.
وعلى العكس من ذلك يمكن أن نلاحظ في تسجيل ذبذبات كلمة : - الصّفاء - وجود ذبذبات صوتية عالية الشدة، تشير إلى الاحتكاك الموجود في صامت الصاد قبل انتهاء الاعتماد على المخرج، وهو ما يفرق بين هذين الصامتين من هذا الجانب .
عندما نقوم بتسجيل ذبذبات هذا الصامت في كلمة – الضَّلال - فإننا لا نلاحظ -كما في الحالات السابقة- وجود ذبذبات صوتية أثناء نطقه، مما يدل على انحباس الهواء انحباسا تاما عند المخرج المغلق لصامت الضاد، ولا يندفع لا قليلا ولا كثيرا في هذه الفترة. وهو ما يدل على صفة الشدة في هذا الصامت، إذا ما صرفنا النظر عن وجود الذبذبات التي تدل على الجهر لا الرخاوة أما الذبذبات التي تشير إلى صفة الرخاوة، فيمكن أن نلاحظها في التسجيل المبين مع صامت الصاد الرخو، والتي تكون فيه عالية الشدة.
«يكون الصوت مجهورا عندما تتذبذب الأوتار الصوتية، وينشأ هذا الاهتزاز عن تماس الوترين الصوتين وابتعادهما بشكل متكرر»[28]. وليس المقصود هنا من تماس الوترين الصوتين التصاقهما، وإنما اقترابهما من بعضهما، ويكون اهتزازهما بشكل عمودي لأن الهواء الصاعد من الصدر يدفعهما نحو الأعلى، ويحدث هذا الاهتزاز عند مقاومتهما لهذا الهواء، وبذلك يتكون صوت الجهر.
و«يكون الصوت مهموسا حين تكون فتحة المزمار في حالة انفتاح ولا يتلاقى الوتران الصوتيان ولا يهتزان»[29]. «ويمكن أن نميز الصوت المجهور من المهموس باختيار بسيط يتمثل في وضع الإصبع على الحنجرة، أو سد بالأذنين عند النطق بالصوت»[30]. فإذا وضعنا الإصبع على الحنجرة ونطقنا بالصوت، فإن كان مجهورا فإننا نحس باهتزاز على مستوى الحنجرة، وإن كان مهموسا لم نشعر بذلك الاهتزاز، أما إذا قمنا بسد الأذنين بالأصابع ثم نطقنا بالصوت المجهور أمكن أن نسمع له دويا لا يمكن أن نسمعه في الصوت المهموس .
ويمكن أن نتحقق من صفتي الجهر أو الهمس للصوامت المدروسة بطريقة عملية بالكيفية التالية:
نستعمل راسم الذبذبات السابق، ثم نصل جهاز الحاسوب بلاقط الأصوات أو الميكرفون، الذي نقوم بوضعه على الحنجرة خارجيا بحيث يكون ملاصقا لها، ثم ينطق المتكلم بالصوت المراد دراسته من حيث الجهر والهمس.وعلينا أن نهتم أشد الاهتمام عند النطق بالصوت أن لا نصاحبه في النطق بأي صوت آخر لا قبله ولا بعده، ويمكن بعد ذلك أن نلاحظ من خلال رسومات الذبذبات ما يأتي :
لا يسجل راسم الاهتزاز مع صامت التاء الساكن أي ذبذبة صوتية، مما يدل على أن نشاط الوترين الصوتيين كان سلبيا، أو أنهما لم يهتزا عند النطق بهذا الصامت، ومن هنا يمكن القول أن صامت التاء صوت "شديد مهموس".
عند النطق بصامت الدال الساكن يسجل راسم الاهتزاز ذبذبات صوتية، تتوافق ومرحلة الحبس، مما يدل على نشاط الوترين الصوتين الإيجابي واهتزازهما عند النطق بهذا الصامت، فيمكن القول هنا أن صامت الدال صوت "شديد مجهور" .
لا يسجل راسم الاهتزاز أي ذبذبة صوتية عند النطق بصامت الطاء الساكن، مما يعني عدم اهتزاز الوترين الصوتيين أو ذبذبتهما مع هذا الصامت . فصامت الطاء إذن "شديد مهموس" .
يسجل راسم الاهتزاز ذبذبات صوتية عند النطق بصامت الضاد الساكن، فهذا الصامت إذن صوت "شديد مجهور" .
وقد مثّل العديد من الدارسين المحدثين بواسطة رسومات توضيحية للأوضاع المختلفة التي يتخذها الوتران الصوتيان، وهي أربعة : وضعية التنفس العادي، ووضعية الهمس، ووضعية الجهر وأخيرا وضعية نطق صامت الهمزة،وهذا ما تبينه الأشكال[31] . أهم صورة من صور التفخيم تظهر في الإطباق ويقابله الانفتاح ، والإطباق «هو أن يتخذ اللسان عند النطق بالصوت شكلا مقعرا منطبقا على الحنك الأعلى ويرجع إلـى
الوراء قليلا »[32] . أما الانفتاح فهو «عدم رفع مؤخر اللسان نحو الحنك الأقصى وتأخره نحو الجدار الخلفي للحلق عند النطق بالصوت»[33]. ولعله يقصد من قوله "منطبقا على الحنك الأعلى" اقتراب عكدة اللسان من الجدار الخلفي للحلق، أو أنه أراد أن يشير إلى صفة الاستعلاء في هذه الصوامت.
ويمكن أن تتبين صفة التفخيم أو الترقيق للصوامت المدروسة من خلال النظر في الأثر الصوتي الذي يتركه كل منهما. وذلك بأن نأخذ رسما لذبذبات كل صامت مع الفتحة التي تليه، ونقارنه بما يقابله من الناحية الشكلية، حتى نتحقق من وجود هذه الصفات من خلال الرسم. فصامت التاء المرقق يقابله صامت الطاء المفخم، أما صامت الدال فيقابله الضاد.
كل من هذين الصامتين مهموس، والفرق بينهما يكمن في ترقيق التاء وتفخيم الطاء، هذه الطاء المفخمة والمطبقة تؤثر بالضرورة على الفتحة التي تليها، ومن خلال رسم الذبذبات لكلمتي – تائب – و – طائر –نستطيع أن نلاحظ أن الفتحة التي بعد الطاء أعلى شدة من الفتحة التي بعد التاء، مما يدل على تفخيم الأولى وترقيق الثانية، والصوت المفخم أعلى شدة من الصوت المرقق كما هو معروف. ومن هنا نستطيع القول أن التاء صامت شديد مهموس مرقق ومنفتح. بينما الطاء صامت شديد مهموس مفخم ومطبق.
يتفق صامت الدال مع الضاد في أن كلاهما مجهور، ولا يختلفان – كسابقيهما -إلا في صفة الترقيق بالنسبة للأول والتفخيم بالنسبة للثاني، ونستطيع أن نلاحظ هذا الفرق من خلال رسم الذبذبات لكلمتي – دائم – و - ضابط -، فالفتحة التي بعد الدال جاءت مرققة تبعا له، والتي بعد الضاد جاءت مفخمة، والتي هي أعلى شدة من الفتحة المرققة بعد الدال، فالدال إذن صامت شديد، مجهور، مرقق ومنفتح، والضاد صامت شديد مجهور مفخم ومطبق .
«القلقلة تحريك خفيف لا يدخل في إطار الصوت بالمعنى الاصطلاحي الموسوم بالفتحة أو الكسرة أو الضمة، إنما هي في الحقيقة مجرد وإطلاق للهواء releave بعد الوقفة الحادثة عند بداية النطق بالصوت الشديد المجهور، ليحدث الانفجار فيكتمل نطق هذا الصوت الشديد، ويتحقق أنه صوت شديد أي وقفة انفجارية، والنطق به ساكنا دون قلقلة يفقده عنصر الانفجار، وهو جزء متمم لنطق الصوت إذا كان لنا أن نأتي به كاملا لنميزه من الأصوات التي قد يشتبه بها»[34]. ونتحقق من قلقلة الصوامت المدروسة بتسجيل الذبذبات الذي يظهر لنا هذه الميزة في الصوامت المدروسة.
من خلال تسجيل الذبذبات لكلمة – وقْتْ –نستطيع أن نلاحظ ذبذبات صوتية بعد نهاية فترة الحبس لصوت التاء، وهي التي تشكل صويت القلقلة أو صوت الانفجار لصامت التاء، فالتاء إذن صامت "شديد ،مهموس، مرقق، مقلقل".
والحقيقة أن عموم العرب القدامى ومعهم بعض المحدثين الذين أخذوا برأيهم لا يقولون بقلقلة الصوامت الشديدة المهموسة مثل التاء، ولكن نجد عند القدامى من يعتبر أن كل الصوامت الشديدة مقلقلة سواء المجهور منها أو المهموس وهذا الرأي هو الذي يقول به بعض المحدثين أيضا، وسنتعرض إلى آرائهم بالتفصيل في الفصل الرابع.
يمكن أن نلاحظ في تسجيل الذبذبات لكلمة - مجْدْ –وجود ذبذبة صوتية بعد فترة الحبس لصوت الدال هي التي تمثل القلقلة أيضا كما في حالة التاء ، فصامت الدال إذن "شديد ، مجهور ، مرقق ، مقلقل" .
نلاحظ في تسجيل الذبذبات لصامت الطاء في كلمة – ربْطْ –وجود ذبذبات صويت القلقلة عند انفجار الطاء، فهو إذن صامت "شديد، مهموس، مفخم، مقلقل".
ويمكن أن نلاحظ الاختلاف أيضا حول قلقلة الطاء من عدمها –كما في التاء- بين القدامى والمحدثين، بل حتى بين القدامى أنفسهم، وذلك بسبب أن الطاء ليس من الصوامت المجهورة، وذلك ما سيأتي بيانه في الفصل الرابع.
من خلال تسجيل الذبذبات لكلمة - قبْضْ –نلاحظ أيضا وجود ذبذبات صويت القلقلة كما في الحالات السابقة عند انفجار صوت الضاد، فنستطيع أن نقول أن صامت الضاد "شديد، مجهور، مفخم، مقلقل".
والاختلاف حول الضاد كبير بين القدامى والحدثين سواء في مخرجه أو صفاته (انظر في الفصل الرابع)
ومن خلال تتبع ما قاله المحدثون[35] في هذه الصوامت، نجد أنهم يتفقون في صفاتها عموما، فصامت التاء يتميز بالشدة والهمس والترقيق، أما صامت الدال فإنه لا يختلف عن التاء إلا في كونه مجهورا، ويتميز صامت الطاء بالشدة والهمس والتفخيم، ويختلف عنه صامت الضاد في صفة الجهر، بينما يتفق معه في باقي الصفات الأخرى.
[1]- محمد علي الخولي، الأصوات اللغوية، دار الفلاح للنشر والتوزيع، سنة: 1990، عمان-الأردن، ص 180.
[2]- مصطفى حركات، اللسانيات العامة وقضايا العربية، المكتبة العصرية، ط1، سنة: 1998، بيروت، ص21.
[3]- إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة، المكتبة الأنجلومصرية، ط7، سنة: 1994 ،القاهرة، ص139.
[4]- حازم علي كمال الدين، دروس في علم اللغة العام، مكتبة الآداب، ط1، سنة: 1999، القاهرة، ص69.
[5]- المرجع السابق، ص60.
[6]- محمد حسن عبد العزيز، مدخل إلى علم اللغة، دار الفكر العربي، سنة: 2000 ، القاهرة ، ص201.
[7]- إدريس السفروشني، مدخل للصواتة التوليدية، دار توبقال للنشر، ط1، سنة:1987، المغرب-الدار البيضاء ، ص13 .
[8]- مصطفى حركات، الصوتيات والفنولوجيا، المكتبة العصرية، ط1، سنة: 1998، بيروت، أنظر: ص156.
[9]- محمد علي الخولي، الأصوات اللغوية، ص74.
[10] – المرجع السابق ،ص66.
-[11]Kantner C , Phonetics , USA , 1960, p 312
[12]- مصطفى حركات، الصوتيات والفنولوجيا، ص 53.
[13]- خولة طالب الإبراهيمي، مبادئ في اللسانيات، دار القصبة للنشر، سنة: 2000 ، الجزائر، ص54.
[14]- محمد علي الخولي، الأصوات اللغوية، ص90.
[15]- Roach ,english phonetics and phonology , a practical cours , 1987, Cambridge university press , cambridge , p 28.
[16]- كمال بشر، علم الأصوات، ص 249.
[17]- المرجع نفسه، ص 250.
[18]- Occonor BETTER ,English pronounciation, Cambridge university press , 1981,cambridge , p 43 .
[19]- كمال بشر، علم الأصوات، ص 250
[20]-كمال بشر، علم الأصوات، ص 253.
[21]- Tassadit HAOUCHE ,étude radiocinématographie des phonèmes spécifiques a la langue arabe .I P S E 1997 , p 321/325.
[22]- المرجع نفسه ، ص327/330.
[23]- المرجع السابق ، ص329/323
[24]- كمال بشر، علم الأصوات، ص 247.
[25]- الفاسي الفهري، اللسانيات واللغة العربية، منشورات عويدات وتوبقال، ط1، سنة: 1985، باريس ،ص 375.
[26]- كمال بشر علم الأصوات ص 297.
[27]- ROACH ,English phonetics and phonology , p 28.
[28]- محمد علي الخولي، الأصوات اللغوية، ص39.
[29]- المرجع نفسه والصفحة نفسها.
[30]- إبراهيم أنيس، الأصوات اللغوية، المكتبة الأنجلو مصرية، ط4 ، سنة: 1999 ، القاهرة، ص22 .
[31]- أحمد مختار عمر، دراسة الصوت اللغوي، ص130.
[32]- عبد العزيز الصيغ، المصطلح الصوتي، ص63.
[33]- كمال بشر، علم اللغة العام، دار غريب ، القاهرة ، سنة: 1986 ص102 .
[34]- كمال بشر، علم الأصوات، ص380.
[35]- غانم قدوري الحمد، المدخل إلى علم أصوات العربية ، مطبعة المجمع العلمي، سنة:2002 ، أنظر: ص169.