إنشاء مراصد الترجمة العربية ضرورة ملحة

عبد الله العميد


يقال عن الترجمة إنها جسر يربط بين الشعوب والحضارات. كما تعتبر "حوارا بين الثقافات"، حينما تكون سبيلا لاكتشاف الآخر وفهمه وتبادل المعارف معه. وهذا صحيح من دون شك. ولكن ما يجري في ساحة الترجمة من تنافس وصراع بين اللغات والثقافات هو أيضا واقع لا سبيل إلى إنكاره. وقد تتجلى في بعض أنشطة الترجمة بالذات حقيقة علاقات القوى بين اللغات الشديدة الانتشار واللغات التي تحاول اتقاء أضرار نزعة الهيمنة المحركة لذلك الانتشار. وهذا مظهر من مظاهر العلاقة الجدلية ليس بين اللغات فحسب، بل وبين الثقافات بوجه أعم...

ولما كانت الترجمة، في الوقت نفسه، ميدان حوار وساحة جدل بين الثقافات، فإن هذا يفترض في من تهمه شؤون الترجمة أن يعود بانتظام إلى طرح الأسئلة بشأن هذا الجدل وذلك الحوار، مثل التساؤل بشأن ما يترجم عن الثقافات الأخرى لمعرفة وظيفة الترجمة في عملية التلاقح الثقافي. هل الترجمة أداة للإبداع والتقدم وتحقيق الذات؟ أم هي مجرد وسيلة لاستيراد ما يـبدعه الآخرون أو استنساخه؟ هل هي وسيلة للدفاع عن الذاتية الثقافية؟ ولفائدة من تُسخر الترجمة؟ وكيف توظف حركة الترجمة في سبيل التفاهم والتلاقح المثمر، وفي سبيل التنمية الشاملة؟ ثم هل يكفي أن نترجم أعدادا كبيرة من الكتب كي نحقق ما نحن في حاجة إلى تحقيقه من أهداف؟

الأسئلة، لا شك، كثيرة بشأن الحوار والتلاقح بين الثقافات، وهي تشمل جانبي الكم والكيف، إذ ليس من الصعب على من يهتم بما يجري في ساحة الترجمة العربية أن يدرك انعكاسات عدم التكافؤ في الترجمة على الأوضاع في المجالات التعليمية والعلمية والثقافية بصورة أعم. ولكن، ما هو السبيل إلى إحلال التكافؤ في المبادلات الثقافية عبر اللغات؟ وكيف يمكن التخلص من "العجز في ميزانية اللغة" مثلا؟ أليس هذا العجز مجرد انعكاس للعجز في "ميزانية الإنتاج الفكري"؟

ثمة إجماع على أن الحاجة ما زالت ملحة إلى ترجمة مؤلفات لم تترجم حتى اليوم، وعلى أن نسبة لا يستهان بها من المصنفات المنقولة إلى العربية ليست لها فائدة لا على الصعيد المعرفي ولا على المستوى الجمالي. والملاحظ أنه بجانب عدم التلاؤم بين الاحتياجات الحقيقية والنشاط الترجمي، لا سيما فيما يخص ميدان التعليم، ما زال هناك اختلال في التوازن بين المجالات التي تستمد منها الترجمة مادتها وموضوعاتها. وهذا الطابع يغلب على الترجمة بجميع اللغات وفي كل البلدان العربية بصفة عامة.

إن أوجه الفوضى وانعدام التكافؤ والعشوائية الملاحظة في هذا المضمار كلها ناجمة عن انعدام الاستراتيجيات والخطط الضرورية لتطور هذا النشاط، وذلك على الرغم من "الطفرة الترجمية" الملاحظة في عدد متزايد من البلدان العربية خلال السنوات القليلة الماضية، لا سيما بعد تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة الصادر عام 2003. كما أن ما يحدث من تناقض بين المبادرات التي تتخذ في القطاعين الخاص والعام يحد من فعالية هذه المبادرات، ويؤدي إلى هدر الموارد والطاقات. فأما المبادرات الخاصة، لاسيما مبادرات بعض دور النشر والمثقفين والجمعيات، فكثيرا ما تحركها دوافع مادية بحته، أو رغبات شخصية ذاتية، أوغيرها من المطامح والنـزعات الضيقة التي لاتمت بأي صلة إلى الظروف والاحتياجات الفعلية. وأما المبادرات الحكومية فهي تصدر في معظمها عن سياسة لها أهدافها، لكنها تفتقر إلى الاستمرارية والمنهجية، فضلا عن أنها تدور في فلكها بعيدا عن المحاولات الجارية في القطاع الخاص داخليا وفي باقي الأقطار العربية. وتدعو الحاجة اليوم إلى تحقيق قدر من التكافؤ والتناسق بين المبادرات في القطاعين، فلا السياسة المركزية تكفي للوفاء باحتياجات السوق العربية في وضعها الراهن، ولا فوضى المؤسسات الخاصة تصلح لتحقيق بعض أهداف التنمية التي تتسم بالأولوية.

وإذا كان من الصعب تنظيم حركة الترجمة العربية بالفعالية المنشودة، فلا أقل من رصد أنشطتها قصد فهمها وإتاحة تدبير شؤونها. وأول ما يمكن أن تُستهل به أعمال الرصد هو إجراء عمليات إحصاء على أوسع نطاق في مجموع الأقطار العربية، والقيام بالدراسات الببليوغرافية اللازمة في هذا المضمار لفهم الاتجاهات السائدة في الترجمة، وما تعنيه أوجه الاختلاف والتكامل بينها على مختلف الصعد. فما تملكه الدوائر والأوساط المعنية حاليا من المعلومات في هذا الصدد غير كاف وغير حديث. ولا بد بالتالي من استكمال هذه المعلومات وتجديدها، والربط بين نتائج الإحصاءات قصد التوصل إلى نتائج إجمالية يساعد تحليلها على اعتماد الاستراتيجيات المناسبة للاضطلاع بمهام الترجمة في المرحلة التالية. ويتعين تعميم الاستنتاجات والاستراتيجيات المقترحة على الهيئات الإدارية والجامعية والمراكز العلمية والجمعيات ودور النشر المعنية، وعلى الهيئات والمنظمات ذات الصلة كي تقرر ماتستطيع الإسهام به في هذا المضمار، وتبت في ما ستـتخذه من تدابير لتحقيق الاستفادة من المصنفات المترجمة.

وستتيح هذه الأنشطة تقييم أوجه الاختلال والتقصير بالنظر إلى الاحتياجات المرحلية، كما سيتسنى تمييز مجالات المعرفة التي لم تحظ بالاهتمام، أو التي لن ترغب دور النشر أو المؤسسات ذات الصلة أن تخوض في ترجمتها لأسباب عديدة. وبذلك ستـتاح الفرصة أيضا للتوجه إلى المجالات التي تدعو الحاجة إلى تناولها واستيعاب موادها كي تسهم الترجمة في تحديث التعليم وتطويره، وتصبح أساسا من أسس البحث العلمي، ورافدا رئيسيا له.

ومن الواضح أن إجراء البحوث والدراسات لا يمكن أن يحقق أفضل النتائج إلا إذا استند إلى مبادئ محددة وكانت له غايات واضحة، ثم أعقبه تخطيط محكم لأنشطة الترجمة، لأن انعدام التخطيط بالذات هو الذي يؤدي إلى ما نلاحظه من فوضى وعشوائية. ومن ثم فإن السبيل الأمثل إلى القيام بكل هذه الأنشطة يكمن في إنشاء مراصد وطنية لدراسة الأوضاع في كل قطر، أو تكليف هيئات أو مؤسسات قائمة بمهام الرصد والإحصاء والدراسة والتخطيط. ثم لا بد من ربط هذه المؤسسات فيما بينها ضمن شبكة دائمة لتبادل المعلومات بشأن الترجمة، تصبح تدريجيا جهازا للتنسيق الدائم بـينها في هذا المضمار.




rouge6.jpg
rouge2.jpg
rouge13.jpg
rouge12.jpg
indexes
rouge3.jpg
rouge9.jpg
rouge10.jpg

هل ترى أن كأس العالم يساهم في التعارف بين الشعوب؟

  نعم
  لا
  لا أدري


للاشتراك في النشرة الإخبارية
البريد الالكتروني:
إحصائيات الموقع
المقالات: 75
الدراسات: 59
الأخبار: 366
Google
الشبكة عتيدة

جميع الحقوق محفوظة 2009-2006© جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات (عتيدة)
تصميم الموقع وإدارته: فريق عتيدة للتصميم التابع للجمعية
محتويات الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الجمعية