مقالات ودراسات دراسات دراسات 2009 الشعر الطفولي بين المحاكاة والترجمة أحمد شوقي نموذجا
الشعر الطفولي بين المحاكاة والترجمة أحمد شوقي نموذجا صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
تقييم المستخدم: / 10
سيئجيد 
الأربعاء, 23 ديسمبر 2009 00:00

 

 

أدب الطفل من المصطلحات المستحدثة في أدبنا العربي، فهو أدب مرحلة متميزة من عمر الإنسان، لها خصوصيتها، وإدراكها، وتكوينها في ضوء مفاهيم التربية المتكاملة للطفل. وطبقا للمعايير التربوية، والثقافية، والعمرية التي تمتاز بها مرحلة الطفولة ذاتها، إلا أن معايير أدب الطفل غير واضحة المعالم، في معايير الأدب الحديث؛ إذ نجد إنتاجات متنوعة ومتعددة شعرية وسردية، طبقا لمجالات تنوع جنس هذا الأدب. إلا أن الكثير من النصوص التي اطلعت عليها، لا تمثل أدب الأطفال بشكله الحديث أو المعاصر.

وقد اختلف النقاد في ريادة هذا الأدب، فمنهم من ينسبه إلى رفاعة الطهطاوي، ومنهم من ينسبه إلى محمد عثمان جلال، أو أحمد عبد المتعال، إلا  أن أحمد شوقي يبقى أول من اهتم بأدب الطفل العربي بمفهومه الحديث كلون أدبي متميز عن أدب الكبار يماثل أدب الطفل في الدول المتحضرة إبان إقامته بفرنسا. ورغم أننا لا نجد تاريخا محددا لظهور أدب الطفل إلا أن فرنسا سبقت الدول الأوروبية في كتابة أدب الأطفال.

وأدب الطفل كان ضمن مشروع التحديث الشعري، الذي جاء به أحمد شوقي بعد عودته من فرنسا، ودعوته إلى ترسيخ أدب الطفل. يقول في مقدمة الشوقيات: "وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب (لافونتين) الشهير وفي هذه المجموعة شيء من ذلك فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث أجتمع بأحداث المصريين وأقرأ عليهم شيئا منها فيفهمونه لأول وهلة ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره وأنا أستبشر لذلك وأتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظومات قريبة المتناول يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم". ويضيف: "وهنا لا يسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران صاحب المنن على الأدب، والمؤلف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب. والمأمول أننا نتعاون على إيجاد شعر للأطفال والنساء وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية".

 

وهكذا نستنتج من كلام شوقي:

أن أدب الطفل لون جديد من الأدب، يندرج في خانة الشعر الجديد والنماذج الشعرية التي دعا إليها الشاعر، كما أن الشعر الطفولي عبارة عن منظومات غنية بالحكمة والأدب، أي أنه لن يكون مقتصرا على لون واحد، وهذا ما رمى إليه شوقي إذ اختلفت منظوماته بين الحكايات الشعرية، والمقطوعات، والأغاني، والأناشيد..

تأثر أحمد شوقي بحكايات لافونتين، الذي كان متأثرا بدوره بقصص كليلة ودمنة الواردة على لسان الحيوان، ومنها استوحى مادته الحكائية الخرافية مغدقا عليها من شاعريته وفنه، فجاءت في سياق أوروبي حديث، يحمل معايير جمال لغته الفرنسية، إلا أن الجديد الذي تحمله هذه الحكايات هي أنها موجهة للأطفال، بينما حكايات كليلة ودمنة عند الفرس والعرب كانت موجهة للكبار.

رغبة أحمد شوقي في كتابة أدب للأطفال في مصر يضاهي ما يكتبه الشعراء من أشعار للأطفال في البلاد المتحضرة. فأراد أن يصل بأدب الطفل العربي إلى مستوى أدب الطفل في الدول المتقدمة التي سبقتنا في هذا الميدان. كما أراد أن تكون حكاياته وقصصه الشعرية التي نظمها للأطفال مترجمة، ومؤلفة، ومقتبسة أساسا لبناء جيل جديد من الناشئة يتمتعون بذوق أدبي رفيع.

نجاح تجربة أمير الشعراء في نظم الحكاية للأطفال المصريين بباريس، إبان إقامته بفرنسا واضح من خلال استيعابهم لهذا اللون الأدبي واستئناسهم به، فتحققت لديهم المتعة والمنفعة. بذلك لاحظ شوقي أهمية هذا اللون من الأدب للصغار والناشئة، بعد أن أدرك ولع الطفل بهذا الجنس الأدبي وأهميته ودوره في تحبيب القراءة للأطفال.

دعوة الشاعر لصديقه خليل مطران إلى التضامن وتضافر الجهود بين سائر الأدباء والشعراء لإيجاد أدب للطفل وتأصيله كجنس مستحدث في أدبنا العربي لما تتسم به منظوماته الشعرية من سمات فنية عربية وأوروبية.

وهكذا دخل أحمد شوقي عالم الأطفال في وقت لم يجرؤ فيه كبار الشعراء والأدباء على التأليف للصغار. وكانت كتابته ضمن مشروع التحديث الشعري الذي دعا إليه الشاعر، وهو في باريس في زمن كانت فيه كل الفنون والآداب حكرا على الرجل، ولم يكن فيه للطفل والمرأة مكان.

وقد كتب شوقي عن الأطفال كما كتب لهم. فما كتبه عن الأطفال يخص ما كتبه عن أولاده، (حسن، وعلي، وأمينة)، بالإضافة إلى شعر المناسبات عن الأطفال. داعيا إلى الإهتمام برعايتهم وتكوينهم. أما الشعر الذي كتبه شوقي للأطفال فيتضمن مجموعة من الحكايات الشعرية الغنائية الواردة على لسان الحيوان. وقد ورد ذلك في بابي "الحكايات" و"الخصوصيات". بالإضافة إلى مجموعة من الأناشيد والأغاني التي يتضمنها "ديوان الشوقيات" كتبها شوقي للأطفال وعن الطفولة بصفة عامة.

وبخصوص الحكاية على لسان الحيوان يرى محمد غنيمي هلال أنها " حكاية ذات طابع خلقي وتعليمي في قالبها الأدبي الخاص بها، وهي تنحو منحى الرمز في معناه اللغوي العام، لا في معناه المذهبي". ويضيف الباحث إلى أن العربية قد أثرت بدورها في الفارسية الحديثة، إذ بعد أن فقد الأصل البهلوي الذي ترجم عنه ابن المقفع أصبحت الترجمة العربية لكتاب "كليلة ودمنة"  لابن المقفع أصلا لكل ترجمة في سائر اللغات. والحكاية على لسان الحيوان ليست بجديدة على الأدب العربي كما سبقت الإشارة وليست بجديدة على المجتمع المصري في ذلك الوقت، فقد سبق محمد عثمان جلال أحمد شوقي إلى أدب الطفل ويمكن أن نقول أن محاولته هي المحاولة العربية الأولى في ترجمة حكايات "لافونتين" إلا أن هذه الترجمات لا ترقى إلى المستوى الفني والإبداعي لأمير الشعراء الذي يعتبر حسب غنيمي هلال أعظم من برع في نظم هذه الحكايات في الأدب العربي الحديث وهو خير من حاكى لافونتين في هذا الجنس الأدبي في العربية بجميع خصائصه الفنية. وسنورد نموذجا من حكايات شوقي التي يحاكي فيها طريقة لافونتين وهي حكاية "فأر الغيط وفأر البيت" وعنوانها عند لافونتين (Le rat de ville et le rat des champs)  إذ نجد في حكاية لافونتين الكثير من العبر التي يمكن أن يستنتجها الأطفال من خلال تجربة فأر الريف، يقول لافونتين:

 

 

Autrefois le Rat de ville

Invita le Rat des champs,

D’une façon fort civile,

A des reliefs d’Ortolans

 

Sur un Tapis de Turquie

Le couvert se trouva mis.

Je laisse à penser la vie

Que firent ses deux amis.

 

Le régal fut fort honnête,

Rien ne manquait au festin ;

Mais quelqu’un troubla la fête

Pendant qu’ils étaient en train.

 

A la porte de la salle

Ils entendirent du bruit ;

Le Rat de ville détale ;

Son camarade le suit.

الحكاية كما نلاحظ عند لافونتين تنطق بالحكمة والموعظة على لسان فأر الريف الذي استغنى عن كل ما لذ وطاب من الأكل الشهي، وهو في ضيافة فأر المدينة وفضل الاكتفاء بما يحصل عليه من طعام في الحقول مقابل العيش في أمن وسلام بعد التجربة التي مر بها. وقد سعى شوقي إلى نفس الفكرة في قصيدته "فأر الغيط وفأر البيت". يقول شوقي:

يُقـالُ: كانتْ فـأْرَةُ الغِيطــــــــانِ              تَتِيـــهُ بابنيْـها علـــى الفِيـــرانِ

قـد سَمَّتِ الأَكبَرَ نُورَ الغَيْــــــطِ               وعَلَّمَتْه المْشَـي فــــوقَ الخيْـطِ

فعَرَف الغِيـاضَ و المُرُوجــــــا               وأَتقَــــنَ الدُّخـولَ والخُروجـــا

وصارَ فـــــي الحِرْفـةِ كالآبــاءِ               وعـــاش كالفلاحِ في هنــــــاءِ

وأتعَـــــبَ الصَّغـــيرُ قلـبَ الأُمِّ                بالكِبْر، فاحتارَتْ بما تُسَمِّــــي

فقـال سمِّيني بنـــــورِ القصْــــرِ              لأَنني - يا أُمُّ - فـــأْرُ العــصْـــرِ

إنـي أَرى ما لم يـــــر الشَّقيـــقُ               فلِـــي طريقٌ، ولـه طريـــــــق

لأَدْخُلَــنَّ الدارَ بعـــــــدَ الـــدارِ               وثْباً مــــنَ الرَّف إلـى الكــــرار

لعلَّــــنــي إن ثَبَتَــتْ أقـدامــــي               ونلتُ - يا كلَّ المنى- مَرامــــى

آتيكمـــــا بمــا أرى في البيــتِ               من عسلٍ، أو جُبْنَةٍ، أو زيــــتِ

فعَطَفَـــتْ على الصغيرِ أمُّــــهْ               وأقبَلَتْ مـن وَجْــــدِهَا تضُمُّـــــهْ

تقــــولُ: إني- يا قتيـل القـوتِ-               أخشى عليـــــكَ ظُلمةَ البُيُــــوتِ

كان أبوكَ قد رأَى الفـلاحــــــا                في أن تكـــــون مِثْلَه فلاَّحــــــا

فاعملْ بما أوصى تُرِحْ جَنَانِـي               أولا، فسِرْ في ذِمَّةِ الرحــــمـانِ

 

نلاحظ أن شوقي قد أضاف في نسيج الحكاية التي اقتبسها عن لافونتين وإن كانت تهتم بنفس القيم.  أما مضمون الحكاية عند شوقي فيختلف في أساسه عن مضمون الحكاية عند لافونتين. فهو لم يحتذ فكرة لافونتين الأصلية. فمن خلال تجربة فأرة الغيطان وابنيها نور الغيظ ونور القصر، فالإبن الأكبر (نور الغيظ) علمته أمه كيف يخرج ويمشي في الحقول والمروج ليعيش عيشة الفلاح السعيد فاستجاب لرغبتها، وعاش في أمن وسلام أما الإبن الأصغر الذي سمته نور القصر نزولا عند رغبته لأنه يرى أنه فأر العصر، ففضل حياة البذخ ودخل البيوت واحترف اللصوصية التي أفقدته ذنبه ثم إحدى أرجله إلى أن صادفته أمه مرة وقد لقي حتفه بعد أن سُحِقت عظامه. وهكذا نلاحظ أن الحكايتين معا تنطقان بالحكمة والموعظة وهو ما قصد إليه كل من لافونتين وشوقي. فالحكايتان تحملان مغزى أخلاقيا، وأدبيا، وتربويا، وتعليميا.

 

وترجم شوقي كذلك الحكاية الخرافية الواردة على لسان الحيوان (Les Fables). يقول في قصيدة الدِّيكُ الهنْديُّ والدَّجاجُ الْبَلَدي:

بَينَــــا ضِعافٌ من دَجاج الرِّيـــفِ          تَــخطِرُ فِي بــيتٍ لـها طـريفِ

إذا جـــاءَها هِنْــــدِي كبيرُ العُرْفِ          فـــقام في البابِ قيـــامَ الضَّيْف

يقُـــول: حـــيَّا الله ذي الــــوُجُوها          ولا أراهــــا أَبـــــداً مـــكرُوها

أَتـــــيــــتُكم أنــشر فــــيكم فضلي          يوماً ، وأقــضي بَينكم بالعــدْلِ

وكـــلُّ ما عِـــنـــدَكُــمُ حــــــــرامُ          عــــليّ ، إلا الـــماءُ ، والمـنامُ

فــــــعاودَ الدَّجــاجَ داءُ الطَّـــــيْشِ          وفـــــتحت للـــعلجِ بابَ العُشِّ

فـــــــجالَ فــــيه جَوْلةَ المَـلــــيكِ           يـــــدعو لِـــــكلِّ فَـرْخَةٍ وديكِ

وبـــــاتَ تـــــلكَ اللـــيلةَ السّعيدةْ           مُــــــمَتَّــــعاً بـــــدارِهِ الجديدَهْ

 

والملاحظ أن الحكاية ذات بعد سياسي هي من الحكايات التي تعرض لشؤون البلاط والساسة والحكام، رغم طابعها الفكاهي، الترفيهي؛ إلى أن يقول في نهاية القصيدة:

فضَحِكَ الهِنْـدِيُّ حتى استـلقـــى             وقَال: ما هذا العِمَى يا حَمْقى؟!

متــى ملكتُمْ أَلْسُـنَ الأَربـــابِ ؟              قـد كــان هذا قبلَ فتحِ البَـــابِ!

 

وبعض مقطوعات شوقي لا تلائم مرحلة الطفولة، فهي عسيرة الفهم لما تتسم به من تعقيد لغوي من حيث بناء التراكيب والصور الشعرية، التي تستعصي على أفهام الصغار كما نجد في قصيد "ولد الغراب" وهي حكاية شعرية وضعها شوقي على لسان الطير، يقول في مطلع القصيدة:

وممهــد فــي الوكـــر مـــن         ولــد الغـــراب مـــزقـــق

 

ولا أدري فيما يخص هذه الحكاية إن كان شوقي قد اقتبس فكرتها عن حكايات لافونتين فلم أجد في ديوانه ما يثبت ذلك. فإذا كانت فارة الغيطان في الحكاية السابقة شديدة الحرص على ولدها، الذي لم يأخذ بنصيحتها فلقي حتفه، فأم الغراب في هذه الحكاية لم تأخذ حرصها في الرفق بولدها وتعليمه الطيران. وهي من الحكايات الموجهة للأطفال والنساء معا كما أنها غنية بالعبر وتتضمن دعوة شوقي الصريحة للأمهات للعناية بأبنائهن، يقول في نهاية المقطوعة:

وكـمــا ترفــق والـــــــداك         عليــــه لــــــم تـتـرفـقـــي

 

وبالإضافة إلى ما أنتجه شوقي من حكايات وقصص شعرية، نجده يقترب أكثر في إنتاجه الشعري من عالم الطفولة فخص الطفل بأغاني وأناشيد متنوعة المضامين تبعا لمراحلهم العمرية، وقد لقيت هذه الأناشيد شهرة كبيرة في العالم العربي. يقول في نشيد المدرسة.

أنــا المـــدرسة اجــعــــلــني           كــــــأم، لا تـــــمــل عــني

ولا تــــفـــزع كـــمــأخـــوذ            مـــن الــبــيـت إلى السـجن

كــــــأنــي وجــه صــيـــــاد            وأنـت الطـيـر فـي الغـصن

ولابــــد لـــــك الــــــيـــــوم           - وإلا فــــغــــدا- مــــــنــي

أو اســتــغـن عـــن الـعـقــل           إذن عــــــنـــي تــســتــغـني

ولا تـــــفـزع كــمــأخــــوذ            مــــن الــبـيـت إلـى الـسجن

أنــا الــمـصــبـــاح للـــفـكر            أنــا الــمــفــتــاح للــذهـــن

أنــــا الــبــاب إلــى الــمجد            تــعـال ادخــل عــلى الـيمن

غــداً تـرتــع فـي حــوشــي            ولا تــشـــبع من صـحـــني

 

القصيدة كما يبدو موجهة لأطفال المدارس إذ أن الشاعر ينحاز إلى الاستعمال اللغوي الأكثر سهولة عكس نظمه لمعظم مقطوعاته الشعرية؛ فالألفاظ  مباشرة والصور الفنية غير مكثفة، وقد لقيت هذه المقطوعة استجابة كبيرة من طرف أطفال المدارس في العالم العربي، بل يمكن القول إنه النشيد الأكثر ترددا بين الأطفال، كما لقيت تقديرا من طرف المشتغلين في حقل التربية والتعليم.

وقد خص أحمد شوقي أبناءه الثلاثة (حسن، وعلي، وأمينة) بمقطوعات شعرية تعبر عن أبوة الشاعر، وحبه لأبنائه. يقول في قصيدة "أمينة" حين اكتملت بنته حولا يصفها في هذا العمر:

أَمِــينـتــــــي فــي عــامِهــــا        الأَوّلِ مِـــــثـــــلُ المَلَـــــــــكِ

صـــالحـةٌ للــــحُـبِّ مِـــــــنْ        كُــــلٍّ ، وللــــــتَّـــبَــــــــــرُّك

كــــــم خَـفَـقَ الـقـلبٌ لــــــها        عِــنـــدَ الــبُــــكا والضّــحِـــك

 

كما يقول في قصيدة "طفلة لاهية" يهنئها بسنتها الثانية:

أميـنةُ ، يا بـِنتيَ  الغــــــــاليَهْ        أُُهـــنّيكِ بالسَّنــة الثــــانيـــــهْ

وأَسأَلُ أنْ تَسلََمي لي السنينَ          وأنْ تُرزَقي العَـــقلَ والعافـيه

وأنْ تُقْسَمي لأَبَرِّ الرجــــالِ           وأنْ تلِـــدي الأَنفُــسَ العاليــه

ولــــكنْ سأَلْتُكِ بالوالِديْــــنِ           ونــاشَدتُكِ اللّـعَـبَ الغـــاليـــه

 

وهكذا نستخلص، من خلال إطلاعنا على بعض النماذج الشعرية التي نظمها شوقي للأطفال والناشئة، أن الشاعر قد أدرك النقص الكبير الذي يعاني منه الأطفال في العالم العربي. فصورة الطفل العربي في عصره، لم تكن في الدول العربية إلا صورة مصغرة للكبار، أي مرتبطة بجانب التأديب والتهذيب، في حين أن مفهوم أدب الأطفال مختلف عن أدب الكبار، لما يستدعيه من اعتبارات فنية متعددة لها أهداف تربوية، وأدبية، وبيداغوجية.

ولعل شوقي أول من أدرك هذا الجانب التعليمي التربوي، والخيالي الترفيهي في أدب الطفل. كما انه في محاكاته لم يكن مترجما لحكايات لافونتين، كما يدعي بعض النقاد بل أضاف عليها من وحي شاعريته وفيض عبقريته، ورؤيته الشعرية، وشخصيته الرقيقة القريبة إلى عالم الطفولة، أي عالم البراءة والجمال. ولم يسع الشاعر أن يعبر عن مشاعر أبوته، من خلال تجاربه الذاتية مع أولاده وحفدته.

ورغم أن تجربة الشاعر في الشعر الطفلي  كانت تجربة قصيرة، إلا أنها تجربة رائعة. وبذلك يبقى شوقي أول من دعا وأبدع في كتابة أدب للطفل العربي، في نهاية القرن التاسع عشر. إلا أنه لا أدري إلى أي حد تستجيب أناشيد شوقي ومقطوعاته، لمعايير الأدب الحديث في أدب الطفل، وهذا موضوع دراسة خاصة. وإلى أي حد يستطيع فيه كبار الشعراء النظم في هذا اللون الأدبي بنماذجه الشعرية المتنوعة.

في الحقيقة التأليف للأطفال مغامرة، قد تُفقِد القصيدة، في بعض الأحيان فنيتها المعهودة، وقد تُفقد الشاعر إبداعيته وشهرته الأدبية. فللطفل قاموسه اللغوي الخاص به، ويزداد حجم هذا القاموس بانتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى. بذلك تكون الكتابة للطفل مغامرة صعبة، وصعوبتها تتمثل في ما تقتضيه العملية التواصلية، من تبديد التناقض بين المؤلِّف (الشاعر) والمتلقي (الطفل).

ومن المؤكد أن شوقي قد بذل في بعض مقطوعاته جهدا كبيرا في التبسيط تارة والتهذيب تارة أخرى. فنظم للأطفال أشعارا تنم عن ذوق عربي أصيل، ولو أن بعض مقطوعاته قد لا تناسب السن والمستوى اللغوي والعقلي للطفل، كما سبقت الإشارة. إلا أن معظم إنتاجاته لقيت استجابة الصغار، كما أرضت عواطفهم بصورها التخييلية الفنية، وأوزانها الغنائية السهلة. ويمكن أن نعتبر أن ما كتبه شوقي للأطفال، رغم قلته من أدب الأطفال الخالد، يمكن أن تتداوله أجيال متعددة، ولا زالت الأجيال المعاصرة تستمتع به كما استمتع به الجيل السابق.

 

المراجع والمصادر

 

أحمد شوقي، الشوقيات، مقدمات أعمال، مجلة فصول، المجلد  الثاني، القاهرة، 1983.

أحمد شوقي، الشوقيات، مقدمة محمد سعيد العريان، الجزء الأول، بدون تاريخ.

محمد غنيمي هلال، الأدب المقارن، دار نهضة مصر، الطبعة 3، 1972 .

أحمد شوقي، الشوقيات، مقدمة محمد سعيد العريان، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الجزء الرابع، (بدون تاريخ.)

Jean de La Fontaine, le lièvre et la tortue et autres fables, Flammarion, 1996, Paris.

 

 

 
viagra generika kaufen 
acquisto in contrassegno viagra generico 
forum viagra europe 
generika sildenafil 
vendita cialis in farmacia 
silagra 
viagra suisse pharmacie 
kamagra oral jelly billig 
buy viagra on line 
acheter kamagra livraison rapide 
cialis vrai 
achat cialis generique en france 
viagra sildenafil mg achat 
apotheke online viagra 
viagra generico a basso costo 
cialis france acheter cdiscount viagra acheter cialis sur internet acheter kamagra en france prix viagra en france kamagra france acheter générique viagra ou acheter du viagra viagra commande par cheque cialis 5 mg generique viagra pfizer viagra ou levitra achat levitra prix viagra 50 kamagra indien