حورات عتيدة حوار مع الدكتور حسام الخطيب
حوار مع الدكتور حسام الخطيب صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

 

محطات في حياته..‏

  • من مواليد عام 1932م -طبريا-فلسطين‏
  • إجازة في اللغة العربية 1954م‏
  • إجازة في اللغة الانكليزية 1959م‏
  • دكتوراه في الآداب في كامبردج أدب مقارن عام 1969م.‏
  • أستاذ للأدب المقارن والنقد الأدبي في جامعة دمشق‏
  • مستشار في رئاسة الدولة‏
  • رئيس قسم اللغة العربية في جامعة دمشق‏
  • معاون وزير التعليم العالي‏
  • الأمين العام المساعد للاتحاد البرلماني العربي‏
  • يرأس ويشرف على مركز الترجمة في دولة قطر‏

 

 

كتب مترجمة‏

  • عصارة الأيام -سمرست موم‏
  • العالم الثالث - بيتر وورسلي‏
  • نظرية الأدب -رينيه ولك‏
  • النقد الأدبي 4 أجزاء بالاشتراك‏
  • التربية التجريبية ( دور لاندشير).‏

 

 

المقدمة:

 

الدكتور حسام الخطيب صاحب الرصيد الأكبر من الإبداعات المتعددة بدءاً بالنقد الأدبي ومروراً بالكتابة الإبداعية في شتي المجالات والتدريس في الجامعات المختلفة وانتهاءً بالترجمة .. استقر الآن في رئاسة مركز الترجمة التابع للمجلس الوطني للثقافة بدولة قطر وحقق إنجازات هامة من أشهر الإصدارات والتي أنجزت أو في طريقها للإنجاز بمهنية عالية تعزز جهد الترجمة الذي يعمل من أجله على رأب الصدع الزمني بينه وبين الكثير من مراكز الترجمة التي سبقته في التأسيس على كلا الصعيدين الكمي والنوعي ..

 

إن الدكتور الخطيب من أحد أهم الشخصيات التي أسست للفهم والأفق المفتوح لجعل المؤسسات الأكاديمية مناخا ثقافيا لا علوما تلقينية .. كان لعتيدة هذا اللقاء معه.

 

 

1ـ إن النرجسية في مجتمعاتنا استطاعت أن تستولي على كل فرص الفهم والتطور، كما أنها هي السبب في انحدار وظيفة الثقافة. فكيف لنا أن نستوعب المدلول الأعمق الذي تضخه كلمة ثقافة؟

 

* النرجسية هي علة العلل، كما ذكرتِ في السؤال.  ملوكنا ورؤساء دولنا، ومديرو دوائرنا، كلهم نرجسيون، بمعنى أن أنانيتهم مفرطة ومسيطرة على كل تصرفاتهم.  ولذلك تراهم متحاسدين وغير قادرين على الوقوف في صف واحد لمواجهة المخاطر المشتركة أو للقيام بمنجزٍ ذي أبعادٍ خارج إطار دائرتهم الذاتية.

 

ولكن أن يكون الأديب نرجسياً أو المثقف فهذه حالة مناقضة تماماً لرسالته ومفسدة لمضمونها وهدفها.  ومع ذلك لنعترف بأن المثقف يحتاج إلى قسط معيّن من حب الذات والثقة بها لأن الأداء الثقافي، سواء أكان إبداعاً أم إسهاماً في التوعية العامة، يحتاج إلى إيمان سويّّ بأهمية الذات.

 

والخلاصة أن الحد الطبيعي لحب الذات هو شيء مرغوب وإنساني ومنتج، لكن تجاوز السقف إلى الأنانية المرضيّة المكشوفة أمام لهيب الشمس فهذا إسراف مؤذٍ ومدمر لصاحبه وللآخرين.

 

 

2ـ إذا استطعنا إيجاد  ثقافة بديلة فهل يعني هذا إقرارا بأن تجاوز الثقافة التقليدية هو ما يضمن تلقائيا ثقافة جديدة تطرح أسئلتها، والتي هي بالضرورة أسئلة الوجود والمصير بغير أوهام ولا مجازات؟

 

* في وهمي أن الثقافة البديلة يصعب أن تنبثق من خلال موقف تصالحي مع القديم.  ولابد من المواجهة في حملة التغيير.  ولكن حين تورق أوراق الثقافة البديلة في المجتمع يمكن أن تخدم العودة الواعية إلى الثقافة التقليدية لتثبيت جذور الهوية الجديدة وغرس بذورها في الوجدان الجماعي وتجنيب النخبة الطليعية آفة الاغتراب عن مجتمعها وأصوله الشعبية.

 

 

 

3ـ هل نستطيع أن نقول إن نظام المركزية الغربية الذي صنعت خلاله الثقافة الناقدة مجتمعات إنتاجية من خلال تحول العقلانية من فلسفة نظرية أو بناء فكري إلى واقع جماعي تحدد في الغرب بظواهر مختلفة أهمها التخصص وإنتاجية رأس المال ونظام المدينة الجديد؟

 

* أعتقد أن هذه التطورات شبه حتمية لأنها تحدث على مستوى عالمي ومن خلال تحول التطورات المادية إلى موجات معنوية وفكرية وفنية كاسحة، وإلى أنساق ثقافية متجذرة.

 

 

4ـ كيف نجعل من الثقافة الناقدة وهى التي تؤسس لبناء المجتمعات كما نعلم بأن  تتجه نحو ثقافة الإصلاح والتنوير والنهضة والحداثة؟

 

* الثقافة الناقدة شرط لازم للحراك الاجتماعي والفكري والفني والمعيشي أيضاً.  ومعظم عِلل المجتمع العربي المعاصر تأتي من غياب ثقافة النقد.

 

 

 

5ـ هل للثقافة ومجالها الحيوي في عالمنا العربي الذي يصارع يوميا وتفصيليا من أجل التحقق الاجتماعي والصيرورة الحضارية وصولا إلى بناء المجال السياسي "الديموقراطية" أي أمل في عبور جسور التعاون مع الآخر واكتساب الخبرات من هنا وهناك لنصل إلى بناء شامخ من ثقافة الديمقراطية التي لم نستطع تطبيقها حتى الآن؟

 

* يعجبني جداً مصطلح "ثقافة الديمقراطية".  وقد كتبت كثيراً في هذا الموضوع منبهاً إلى أن الديمقراطية ليست أيديولوجيا جاهزة مثل الشيوعية أو الاشتراكية أو الدين أو القومية، أو حتى اللبرالية (وإن كانت اللبرالية شرطاً من شروط الديمقراطية).  إن الديمقراطية هي أصلاً ثقافة إنسانوية، وتربية حرّة ومسلكية اعتبارية تنظمها القوانين والأعراف العامة، وتحتاج إلى سنوات وسنوات من الوعي الفردي والاختمار والنضج التدريجي، وهذا ما حدث في البلدان الغربية.  وما نحتاجه الآن ليس مجرد التشدّق بالديمقراطية، وكأنها حلٌ سماوي يفرض نفسه من خارج الذات.  والمطلوب هنا هو أن يجرب كل منادٍ بالديمقراطية، فرداً كان أو تنظيماً لمجموعة من الناس، أن يجرب امتحان مقدرته الخاصة على أن يتصرف ديمقراطياً مع نفسه أولاً ثم مع أسرته ثانياً ثم مع محيطه الأوسع ثالثاً.  وههنا الاختبار الحقيقي.

 

 

 

6ــ تبدو صورة المثقفين العرب ذات وقع تراجيدي وهم يصارعون "بصفتهم الفردية" كل حين أقدارهم مع قوانين القوة وروح الاستبداد الكلي الذي يشبه الثقب الأسود يلتهم كل شئ حولهم، فهل نقر بأن أصول الوجود وأزماته ستصبح بعيدة عن مشاغلهم؟

 

* أخشى أن تكون هناك مبالغة في تصوير معاناة المثقفين العرب تصويراً منفصلاً عن معاناة شعبهم، فالمثقف العضوي في كل عصور التاريخ دمج معاناته دائماً مع معاناة الناس من حوله، سواء أكان النطاق الخاضع للمعاناة حياً صغيراً أم مدينة كبيرة أم أمة بأكملها.  وعلى امتداد التاريخ منذ القِدم كان هناك مثقفون يتعرضون للقمع لمجرد أنهم يرفضون النير المطبق على مجتمعهم، وكان هناك مثقفون نبلاء يرفضون أن يتحقق إنصافهم على حساب غيرهم من طبقات المجتمع.  وهؤلاء هم الذين يدفعون الثمن دائماً.  واعتقد أن المثقفين العرب بحاجة إلى أن تجتمع كلمتهم، وبغير ذلك سيبقى تأثيرهم محدود الأفق.  ومع الأسف أثبتت تجارب كثيرة أنه في المؤسسات التي يفترض أن تحافظ على كرامة المثقف، وجد تناحر واستبداد وأنانيات بين المثقفين كانت في حالات غير قليلة مرآة ً مصغرة لما يجري في المجتمع المحيط بهم من ظلم واستبداد وعسف وتدمير.  ومن المتفق عليه أن هذه الفئة الواعية من المجتمع، مهما يكن من أمر، هي التي تعاني أكثر من غيرها لأنها مستهدفة ليس فقط من قبل الحكام الأميّين في الأقطار العربية بل تكون المعاناة أشد صرامة حين يكون الحاكم مزوّداً بالمعرفة أي متعلماً ومدركاً لخطورة دور المثقف.  وبالنتيجة يظل المطلوب هو تساند المثقفين العرب وتعاطفهم وتخلصهم من أمراض التعالي وعشق الذات وانتفاخ الفردية.  ولنصرخ جميعاً بصوت واحد:

 

يا مثقفي الأرض العربية: تحابـّوا وتعاضدوا واتحدوا!!!

 

 

 

7ــ كيف نستطيع أن نراهن على أن المترجم يستطيع أن يؤثر في وعى الشعوب التي تحيا وتقتات على الخرافة؟

 

* كان المترجم – على امتداد العصور – يمثل نافذة الإطلال على عالم آخر والخروج عن البوتقة المظلمة، وذلك من خلال فعالية المقارنة وإثارتها في وجدان المتلقي.  وقد صحّ لديَّ  بعد أن خضتُ  مجالات كثيرة في هذه الحياة أن أفضل وسيلة للإقناع  والتغيير هي المقارنة الملموسة التي تخرج الإنسان من سور الحصار.  ومَن غير المترجم لهذه المهمة؟.. كان الحكام المستنيرون في الماضي يدركون هذا الدور الخطير للمترجم.. ألم ينشئ المأمون منارة ً فائقة للخروج من الظلمات إلى النور تمثلت في دار الحكمة! وإن صحّ أنه كان يدفع للمترجم وزن كتابه ذهباً (في زمن كان الكتاب فيه ثقيل الوزن!) فهذا يذكر بأن الحضارة العربية الإسلامية في الماضي قامت أصلاً على أكتاف المترجمين أي على أساس فهم الآخر وتبادل الخبرة معه.  وفي أيامنا هذه، وعلى الرغم من انتشار معرفة اللغات الأجنبية، تظل الترجمة قناة أساسية للتفاعل بين البشر على المستوى الفردي والمستوى القومي والمستوى الإقليمي، وأهم من ذلك كله على المستوى المعرفي الشامل.

 

 

 

8ـ هل يجب أن نسلم بحوار الحضارات المفروض علينا بديلا للصراع وأيضا المفروض علينا حتى يتم لنا التفاعل بين ثقافتنا في سياقها التاريخي والاعتراف بأحقيتنا وغيرنا في الاختلاف من جانب وبأننا وغيرنا لا نمتلك الحقيقة المطلقة مع التسليم بالتكافؤ العقلي بين الأطراف المتحاورة؟

 

* منذ سنوات أتابع الحوارات التي يبتدعونها من فترة لأخرى: حوار الأديان، حوار الثقافات، حوار الحضارات، حوارات السلام، الخ .. وبصراحة، لا أرى أي تقدم ملموس في اتجاه أية نتائج تخفف من حدة الصراع القائم في العالم أو من الخطط الاستراتيجية المبيتة لاستكمال الهيمنة الإمبريالية على العالم بأسره.

 

والأعجب من ذلك أننا، أقصد المستهدفين والمستضعفين في الأرض، صرنا نلهث وراء هذه الشعارات بل نأخذها بجدية وندفع تكاليفها ونضيع أوقاتنا في تنظيم مؤتمراتها ونبني آمال أجيالنا الصاعدة على سرابها، ونشغل رأينا العام بمتابعة وقائعها ونلقّمه الآمال الكاذبة، بدلاً من تركيزه على وقائع مواجهة الحوار التدميري في فلسطين والعراق وأفغانستان ووزيرستان وغيرها من أقطار الأرض... ومع ذلك نعترف أنه من الضروري أن يستمر الحوار والتواصل بشرط ألا يجري إحلال الأقوال للتغطية على الأفعال، وانتظار مبادرات ملموسة من أصحاب الشأن والقوة والغطرسة، وهيهات.

 

وعندي أن الامتحان الأساسي للحوار بين الشرق والجنوب من جهة والغرب والشمال من جهة أخرى هو إصلاح هيئة الأمم المتحدة وإنقاذها من براثن السيطرة وليّ الأعناق، ثم دفع قراراتها الإيجابية بحق المستضعفين باتجاه التنفيذ.  ولا ننسَ ضرورة إعادة تركيب مهزلة مجلس الأمن الدولي.

 

 

 

9ـ ذكرت أيضا أن الترجمة هي الأداة الفاعلة في تحقيق رغبة النهضة والمضي في طريقها الصاعد بوساطة إذابة الفوارق الفكرية بين الأنا والآخر واكتساب معارف وعلوم التقدم، وبذلك تغدو الترجمة جسرا  يعبر هوة الزمان والمكان ويفتح أفقا للغة مشتركة تجمع الأنا بالآخر، ولا تبتعد قضية الترجمة كثيرا عن موضوع حوار الحضارات، بل إن الترجمة في حد ذاتها تذيب الفوارق بين الحوار وتجعل كل طرف يقبل الآخر ويقتنع بأفكاره، فهل استطعنا في ظل الحاضر التعيس للترجمة تحقيق ما ذكرت؟

 

* يخيّل إليّ أن الإجابة النظرية على هذا السؤال صعبة .  ولكن يبقى التساؤل الأخير حول حصيلة الترجمة مطلوباً وضرورياً ومهماً.  وفي رأيي أن الترجمة إلى العربية منذ مطلع القرن العشرين كانت عاملاً مهماً جداً في  الاستفاقة من غيبوبة التخلف (الفكري والعلمي والاجتماعي والسياسي) الذي خلّفه الحكم العثماني في الوطن العربي.  ولم يكن أي حوار مع الآخر ممكناً لولا تخلصنا (النسبي طبعاً) من التقوقع والخرافة.  وينطبق ذلك بوجه خاص على الناحية العلمية حيث بدأنا من الصفر تماماً.  وما تزال الترجمة حتى الآن قناةً شديدة الأهمية في مواكبة التطورات العلمية والفكرية وحتى الأدبية على المستوى العالمي.

 

 

10ــ تعاني حركة الترجمة في عالمنا اليوم من مرتزقة أساءوا إليها كثيرا بادعائهم معرفة دروبها ومسالكها فما هي المواصفات التي يجب أن تتوافر في المترجم، وهل هناك بالفعل اختلاف بين المترجمين المشارقة والمغاربة من حيث الجودة؟

 

* إن الترجمة، شأنها شأن أي منحى ثقافي أو علمي أو عملي، لا تخلو من المستغلين والمدّعين والمهملين، ولكنها في نظري هي الأشدّ خطراً من القنوات الاتصالية الأخرى حين تُساء ممارستها.  وأعترف أنني منذ أن بدأت خوض غمار الترجمة، شغلني موضوع المعيار والمواصفات في مجال الترجمة.  وحين عدت من كامبردج أواخر الستينات إلى دمشق، أنشأت مع زميلين آخرين "المكتب العربي لتنسيق الترجمة"، وحاولنا أن نضع بعض المعايير لتقييم الترجمات، وفي صدارتها الأمانة والدقة والإحاطة الكافية بلغتَي المصدر source language والهدف target language، إلى جانب مراعاة التخصص.  وقد تعاملنا مع جهات حكومية في الوطن العربي من أجل تدقيق الترجمات، ولكن المحاولة باءت بالفشل تماماً، ذلك لأن هذه المهمة يجب أن توكل إلى جهة عالية المستوى ومتعددة التخصص وذات مصداقية فائقة.

 

إلا أنني لم أتخلّ عن هذه المهمة أبداً، وقد تقلبت في وظائف ثقافية فيما بعد إلى جانب التدريس الجامعي والتزمت بمبدأ عدم نشر أي ترجمة إلا بعد تدقيقها.  وأعترف أن وضع معيار متفق عليه لتدقيق الترجمات ليس مسألة سهلة على الإطلاق.

 

واليوم تتوسع مراكز الترجمة في الوطن العربي، وتتعدد الجوائز.  والمرجو أن يُختار مشرفو المراكز والمحكمون على أساس خبرتهم النوعية بالترجمة، وعمق تمكنهم من اللغات الأجنبية، وكذلك إتقانهم للغة العربية، وهنا الطامة الكبرى في الترجمة إلى العربية، إذ يعاني القسم الأكبر من الترجمات المحترفة من الضعف المخزي باللغة الأم. وأعتقد أن هذه مصيبة المصائب في واقع الترجمة العربية.

 

أخيراً لا أرى اختلافاً بين المترجمين المشارقة والمغاربة، ولكن حظ زملائنا المغاربة في مجال اللغة الفرنسية راجح تماماً، لأن معظمهم يدرسون الفرنسية منذ الصغر في أوطانهم وحتى في فرنسا.  إلا أن مصطلحهم العربي كثيراً ما يختلف عن المصطلح المشرقي، وهذه مشكلة ذات نطاق ثقافي وعلمي أوسع من قضية الترجمة.

 

وهكذا يكون التمييز المجدي في الترجمة هو إتقان الأزواج اللغوية والتأهيل المبكر، والتمكن من اللغة الأم، وممارسة الدراسة أو المهنة في بلد اللغة الأجنبية التي يتعامل معها المترجم.  وكل ذلك طبعاً مشروط بالتخصص أو سعة الأفق المعرفي والثقافي، وقوة الوجدان والأمانة، والالتزام الصارم وحسن التصرف عند الضرورة القصوى، والله أعلم.

 

 

11. بعد كل تلك العقود من السنين التدريسية التي قضيتها في عدة جامعات عربية ولاسيما جامعات سورية، فاليمن، فقطر؛ كيف تصالحت الآن مع العمل الإداري مشرفاً على مركز الترجمة في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بالدوحة، هل تعكس لك المرآة الذاتية رضاً أصيلاً عن عملك الحالي؟ وإلى أي مدى؟

 

* أحنُّ إلى قاعة التدريس الجامعي، أحنّ إلى محاورة الأجيال، نعم: أحن، ويزداد حنيني في الصباحات المكتظة بالمعاملات الإدارية التي تتراكم فوق مكتبي.  إلا أن الحنين –والحق يقال– يبقى في حدود المعقول الذي لا يقودني إلى التماس سبيلٍ للعودة إلى قاعة التدريس، ذلك أنه عندما انتهت خدمتي في جامعة قطر (بل أُنهيت نهاية 2004) كنت وصلت إلى شبه قناعة بأن المسافة التي تفصلني عن الجيل الذي يفترض أن أتجاذب الحوار معه، أخذت تطول مع مرور الزمن والهوة أخذت تتسع، وكنت طوال حياتي الجامعية أستاذاً هاوياً للتعليم، وشريكاً لطلبتي في التساؤلات المعرفية في مجالات الاستمتاع باللغة العربية وآدابها، وبالآداب العالمية عن طريق الأدب المقارن.  إلا أن تجاوب الطلبة (أعني الطالبات والطلاب) أخذ يضمحلّ سنة بعد سنة، حتى بدأت أشعر بشيء من الاغتراب في قاعة المحاضرات. وفي أخريات أيامي في الجامعة صرتُ أشتهي أن ينهض طالب فينبهني إلى تناقضٍ في بعض أقوالي أو إسرافٍ في موقف معرفي. وأصبحت الطُرَفُ والفكاهات التي أستعين بها عادة لتطرية جوّ القاعة لا تثير ردود فعل كافية، أو حتى أية ردود إيجابية على الإطلاق.

 

وهكذا أتى الانتقال إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث فرصة لاستعادة حب الاستطلاع المتأصل في النفس، وكان إنشاء مركز الترجمة في المجلس مجالاً لتغيير المناخ النفسي وإزالة القيود المعروفة في جامعاتنا، التي هي مدارس عليا للتلقين، وفي الأغلب ليس فيها مجال للبحث والتنقيب. ودخلت عالم الترجمة (التي كانت من هواياتي الأولى بعد عودتي إلى الوطن العربي من جامعة كامبردج في أوائل السبعينات من القرن العشرين)، وفوجئت أن مفهوم الترجمة ما زال كما كان في الماضي، ولم يبتعد كثيراً عن حالة المترجم الذي يضع كرسياً وآلة كاتبة عند مدخل دائرة الهجرة والجوازات أو على قارعة الطريق. ولكن -إنصافاً للحق وبفضل تجاوب المسؤولين في المجلس الوطني- أمكن تغيير الصورة أو تعديلها جزئياً في فترة قصيرة. كما أُعطيت حرية شبه كاملة في تأسيس المركز واختيار الكتب والمترجمين، وبدا لي المشروع الجديد كأنه تعويض عن صرامة النظام الجامعي وروتينيته. وقد أتيح لي من خلال التنقيب عن الكتب الجديدة باللغات المختلفة أن أحس إحساساً ملموساً بالهوة الهائلة بين ما ننشره باللغة العربية، وبين الإنتاج المعرفي العالمي. كما أدركت أن معظم العاملين في الترجمة يعانون من نقص في التعامل مع اللغة العربية، وأخجل أن أقول إن معظم ما ننشره من ترجمات يحتاج إلى تدقيق في اللغة العربية، إلى جانب التدقيق في مدى أمانة الترجمة (أي المراجعة).

 

إنني أزداد يوماً بعد يوم إيماناً بضرورة النهوض بمستوى الترجمة إلى العربية لأننا مستوردون للمعرفة في جميع تخصصاتها وفروعها، والترجمة هي الشرط اللازب لانتقالنا التدريجي من مرحلة التبعية إلى مراحل ابتكارية، كما ينبغي النهوض بالترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى لتصحيح صورتنا عند الآخر (وأحياناً لتجميلها!).  وفي هذا الصدد أودُّ أن أعبّر عن ابتهاجي (الحذِر) من تعدد مراكز الترجمة في الأقطار العربية، وتنوّع الجوائز التي أعلن عنها في الآونة الأخيرة. ويأتي الحذر من آلية التعدد والتكرار في كل ما نخوضه في الوطن العربي من مشروعات معرفية وغير معرفية، بحيث يكون التنافس على المظاهر والضوضاء هو الأساس بدلاً من التعاون والتقاسم المشترك.

 

أجرى الحوار: ثريا نافع

 

 
comprare viagra on line 
viagra générique indien 
incovéniant viagra bayer 50 mg 
cialis hollande 
cialis naturale in farmacia 
cialis generico india 
viagra pillenmaster 
cialis por internet 
cialis generico effetti collaterali 
levitra günstig 
viagra sous h 
viagra håndkøb 
vardenafil rezeptfrei 
kamagra sicher bestellen 
comprar cialis en españa 
acheter viagra sur acheter viagra et cialis en ligne cialis francais prix du viagra en france vente viagra 100mg différence entre viagra 50 et 100mg livraison ultra rapide viagra prescription viagra jeunes kamagra 100 cialis femme viagra vente libre sur internet cialis enh pas cher achat viagra 25mg cialis vente belgique viagra gel thailande pas cher