حورات عتيدة حوار مع الأستاذ محمد خطابي
حوار مع الأستاذ محمد خطابي صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

 

الأستاذ محمد خطابي

 

 

تقلب الدكتور محمد خطابي في اللغة والآداب تعلّماً وتعليماً منذ السبعينات. فهو أستاذ باحث في شعبة اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير، المغرب، من سنة 1985حتى اليوم. درّس في خلال هذه المدة المواد الآتية: البلاغة العربة؛ تحليل النصوص الأدبية؛ الشعر العربي الحديث؛النقد الأدبي الحديث؛ معاجم مصطلحات النقد الأدبي الحديث؛ المعجمية والمصطلحية. وحصل قبلذاك على الإجازة في اللغة العربية وآدابها (1979-1980) وعلى شهادة الدراسات الجامعية العليا  (1983-1985) ودبلوم الدراسات العليا (1988) ثم على دكتوراه الدولة (Phd) في نفس المجالين.

 

 

وفيما يلي نبذة موجزة جدا عن سيرة الدكتور محمد خطابي العلمية والمهنية الحافلة:

 

 

التسيير:

-1986-1988رئيس قسم اللغة العربية وآدابها.

-1986-1992عضو مجلس كلية الآداب والعلوم الإنسانية. أكادير.

 

-1986-2000عضو مكتب قسم اللغة العربية وآدابها.

 

-2000        عضو اللجنة الجهوية لتتبع وتنسيق إصلاح التعليم العالي (جامعة ابن زهر بأكادير).

 

 

التأطير والتوجيه:

- تأطير الطلبة في أوراش سنوية تدور حول الموضوعات الآتية: طرق البحث الأكاديمي؛ لغة الإعلام المكتوب والمرئي؛ التحرير وأساليبه؛ الترجمة ومشكلاتها (من اللغتين الفرنسية والإنجليزية إلى اللغة العربية)؛ كيفيات تحصيل المعلومات بوساطة تكنولوجيا المعلوميات.

 

- تدريس طلبة ماستر اللغة والثقافة الأمازيغيتين وتأطيرهم.

 

البحث العلمي

 

الأعمال المنشورة:

 

  • كتاب "لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب" المركز الثقافي العربي. بيروت، لبنان، الطبعة الأولى1991، الطبعة الثانية 2006
  • كتاب السياسة اللغوية خلفياتها ومقاصدها، نشر مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2007
  • "المصطلحات الحديثة في (المعجم المفصل في الأدب) لمحمد التونجي"، مجلة اللسان العربي، العدد 46، السنة.98
  • "الترجمة من الأمازيغية وإليها" ضمن أعمال ندوة مكانة الترجمة في الحفاظ على اللغة. منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. ط.1. 2004.
  • -         "قراءة في أغلفة دواوين الشعر الأمازيغي" مجلة آفاق العدد 72نونبر 2006
  • "المعجم العربي المختص في النقد الأدبي الحديث: مثال قاموس مصطلحات النقد العربي المعاصر" لسمير حجازي. مجلة الدراسات المعجمية. العدد6. ذو الحجة-محرم 1428/يناير 2007

 

 

الأعمال التي ستنشر قريبا:

 

  • "مدخل إلى صياغة جديدة لمسألة المصطلح".
  • "بعض مشكلات المعاجم ثنائية اللغة".
  • كتاب "سلطة الخطاب في وسائل الإعلام"، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان (قيد الطبع).
  • " التعريف:مشكلاته وعيوبه في بعض المعاجم الأدبية المختصة".
  • "أشكال المصطلحات وصيغها: مثال التعريب".

 

مهام أخرى

 

  • عضو مؤسس للجمعية المغربية للدراسات المعجمية. (الرباط).
  • مستشار هيئة تحرير مجلة علامات (مكناس-المغرب-).
  • عضو مؤسس لجمعية المسرح الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية –أكادير.
  • مدير مجلة قراءات.

 

المشاريع العلمية:

 

 

  • تأليف "معجم مصطلحات النقد العربي الحديث".
  • تصنيف "أطلس الثقافات المحلية في المغرب".
  • تأليف كتاب عن "ثقافات الواحات المغربية".
  • إنشاء ماستر في تحليل الخطاب. موسم 2009/2010

 

 

اللغات مرتبة بحسب درجة الإتقان:

 

 

  • اللغة العربية؛ اللغة الأمازيغية؛ الدارجة المغربية.
  • اللغة الفرنسية.
  • اللغة الإنجليزية.

 

 

 

وقد كان لـ"عتيدة" مع الدكتور خطابي هذا الحوار القيم والغني جدا جدا.

 

 

هل هناك دور فعلي لمجامع اللغة العربية في توحيد المصطلحات؟

 

 

إن تاريخ هذه المؤسسات مشرف حقاً. لقد تمكنت من "حماية" اللغة العربية من الأعاصير تلو الأعاصير، ولا يمكن إلا أن نفتخر بما قامت به من أدوار ووظائف في أوقات على اللغة العربية عصيبة. وأظن أن دورها لا يزداد اليوم إلا إلحاحاً. أما دورها في توحيد المصطلحات فغير وارد في اعتقادي. دورها هو إيجاد المصطلح، أما توحيده فشأن من شؤون مكتب تنسيق التعريب، وهو المؤسسة العربية المنوط بها ذاك الدور. والمجامع مؤسسات مساعدة، ليس إلا. كل المجامع العربية من المصري حتى السوداني مرورا بالسوري والأردني والعراقي دورها يتمثل في "حماية" اللغة العربية وترقيتها في الوقت نفسه، ثم في مرتبة ثانية إيجاد المقابلات العربية للمصطلحات الجديدة. أما التوحيد فغير ممكن تصوره من الناحية العملية، أعني تصور قيام المجامع بالتوحيد وهي المتعددة. على أن الملاحظة اللافتة للانتباه هي جمعها -أو بعضها- بين العمل اللغوي والمعجمي والمصطلحي. وأتساءل اليوم أما زال هذا العمل المتعدد ممكنا؟ إذا كان العمل المصطلحي من مهام مكتب تنسيق التعريب، والعمل المعجمي من مهام معجميين ودور نشر تكاد تكون مختصة في هذا النوع من التأليف، فما الذي تبقى للمجامع القيام به؟ أظن أن الوقت قد حان لمراجعة وظيفة المجامع اللغوية !

 

 

ما السبيل إلى نشر استخدام المصطلحات المستحدثة والمتفق على توحيدها على أوسع نطاق؟

 

 

أعتقد أن السبيل الأمثل هو الجامعة، أعني تدريس العلوم ،ومن ثم البحث العلمي. ولكن المشكلة هي أن لغة تدريس العلوم في التعليم العالي في معظم الأقطار العربية يتم بلغة أجنبية. ومعنى ذلك أن إعداد المصطلحات باللغة العربية يعد، في هذه الحالة، ضربا من المجهود الضائع. وما على الراغب في التأكد من هذه الحقيقة سوى الاطلاع على وثائق المجامع العربية، وكذلك مختلف المعاجم الموحَّدة التي أصدرها مكتب تنسيق التعريب. وأنتم تعلمون أن المعجم الموحَّد يسبقه عمل مضْن قبل المصادقة عليه من قبل السلطات المختصة في البلدان العربية. وبعبارة موجزة ما لم توظَّف المصطلحات الموحَّدة في التعليم والبحث العلمي، أي إنتاج المعرفة، سيظل الحال "على حاله". الأمر يتطلب قرارا سياسياً. تأمل، على سبيل المثال، العلوم الإنسانية فمنذ أن انخرطت الجامعة في تدريسها باللغة العربية تمكنت من تجاوز مشكلات المصطلح إلى حد بعيد. وهذا أمر طبيعي، المصطلح وُجِد ليعمل ويشتغل، ودورانه واشتغاله هو الذي يكسبه الشرعية لدى مستعمليه، أو يدفعهم إلى تغييره بآخر أشد فعالية واستجابة لشروط التداول.

 

 

وهل هناك طرق محددة تساعد على توحيدها؟ وهل بالفعل لها دور؟

 

 

المصطلحات كائنات لغوية لا يمكن فصل واقعها عن واقع اللغة العربية في البلدان العربية !وواقع هذه اللغة من وضع أهلها الناطقين بها في العالم. أعني أن منزلة اللغة العربية تابعة لمنزلة أهلها قوّة وضعفاً. ولذا من الصعب فصل واقع المصطلح عن واقع اللغة، وواقع هذه عن واقع أهلها. وبقصد التوضيح نتساءل: ما هي قيمة المبادلات التجارية والاقتصادية عامة بين الدول العربية؟ ما الذي يعرفه المواطن في شرق البلاد العربية عن المواطن في غربها، والعكس صحيح؟ دعك مما تتناقله وسائل الإعلام المرئية من المآسي وأنهار الدماء، والأشلاء... المقصود عندي معرفة تاريخ كل بلد، طرق عيش مواطنيه، ثقافتهم، طرق احتفالهم بما يفرح... وقس على هذا. كيف نريد أن تكون المصطلحات موحَّدة وكل شيء مفرِّق أو يراد له أن يكون كذلك. لكل بلد علم ونشيد وطني، ولكل بلد عملة وطابع بريدي، وحدود مرسومة... وإذا شاء أي مواطن الانتقال من بلد إلى بلد لزمته التأشيرة وما جاورها، وإذا شاءت دار نشر ما توزيع كتبها في البلاد العربية لزمها ما لست أدري. هذه هي الحال فكيف نريد توحيد المصطلح في واقع كل مؤشراته تنحو نحو التفرقة؟ والخلاصة: ما لم يعرّب التعليم العالي كلّه، وما لم تفتح الحدود أمام الأفكار والاجتهادات الفكرية فربما ظل الحال على حاله.

 

 

وما هو دور مؤسسات الترجمة وهيئاتها في توحيد المصطلحات؟

 

لمؤسسات الترجمة دور مهم في إيجاد المصطلح أوّلا، وقد يكون لها دور في توحيده، إلا أن دورها متعلق بعناصر لا تتحكم فيها. وقد ذكرنا بعضها في الجواب عن السؤال السابق. على أن مؤسسات الترجمة يتمثل تأثيرها في الانحياز إلى مصطلح بعينه واستبعاد غيره. هذا على افتراض أن المصطلحات الواردة في الوثائق أو النصوص المترجمة مقابلاتها متوافرة في معاجم مختصة ورقية أو رقمية. أما إذا حدث العكس فمطلوب من المترجم الاجتهاد في حدود ما تسمح به اللغة العربية وتقبله، أي احترام نسق اللغة العربية.

 

 

للمغاربة فضل كبير في ميدان اللسانيات، فما هي النظريات اللسانية التي يبحث فيها المغاربة المتخصصون في اللسانيات على حد علمك ؟

 

 

النظريتان الأبرز هما "النظرية التوليدية" بمختلف امتداداتها، و"النظرية الوظيفية" التي وضع أسسها سيمون

ديك. هذا إضافة إلى اجتهادات أخرى لا تلتزم بهاتين بالضرورة، وإنما تبحث عن أفق أرحب. يتزعم الاتجاه الأول الأستاذ الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري، ويتزعم الاتجاه الثاني الأستاذ الدكتور أحمد المتوكل. ولا بأس من الإشارة إلى أن عدداً من طلبة الأستاذين تسلموا منهما المشعل بعد تقاعدهما الإداري. وهؤلاء الطلبة يجتهدون في إطار النظريتين ويحاولون توسيع أفق الأسئلة ذات الصلة بالبحث في اللغة العربية.

 

 

كيف بدأ اهتمامك باللسانيات والمصطلحية والمعجمية؟

 

هذا السؤال يعيدني إلى منتصف السبعينات من القرن الماضي حيث كان أول لقاء بيننا واللسانيات على يد شيخ من شيوخ "علم اللغة" أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية وجازاه عنا خير الجزاء. الشيخ المقصود هو الأستاذ الدكتور تمام حسان. كان ذلك في موسم 1976-1977إذ قدم لنا نظرة شاملة عن المدارس اللسانية في أوروبا. وكانت المحاضرات موزّعة بين ماهية اللغة، ومناهج دراستها، واختلاف مدارسها، وخصائص كل مدرسة... وفي السنة الموالية درسنا على يد أحد العلماء المختصين في "القراءات"، هو العالم الفاضل التهامي الهاشمي الراجي. ركّز الأستاذ الدكتور على المدرسة البنيوية، وعلى نحو أخص مؤسسها فيردينان دو سوسير. وقد كانت محاضراته واضحة وغنية بالأمثلة التوضيحية من اللغة العربية، فاستفدنا من علمه، جازاه الله الجزاء الأوفى. في السنة الموالية تكفّل بتدريسنا أحد جهابذة الدرس النحوي في الجامعة المغربية الأستاذ الدكتور أحمد الإدريسي تغمده الله برحمته. انتقل بنا الأستاذ المغفور له بين ثنايا المدرسة التوليدية، ونظرا لما كان يتمتع به من روح النكتة وحضور البديهة تمكن من شد انتباهنا وشحذ هممنا. أما في السنة الأخيرة من الإجازة فقد كنا محظوظين حقا إذ درسنا على يد الأستاذين الدكتورين الجليلين عبد القادر الفاسي الفهري وأحمد المتوكل. الأول حاضر في التركيب والثاني في الدلالة. إضافة إلى كل ما تقدم كنا نسائل دروس النحو (أعني قواعد النحاة) في ضوء المعرفة اللسانية، وكنا نجد في ذلك متعة عظيمة. على أن أهم ما طبع دراستنا الجامعية هو العمل الجماعي. فقد شكلنا أنا وبعض الزملاء (محمد بلبول، نجاة اعصيفر، رأي الغزال عبد العزيز، عبد الرحيم جيران...) مجموعة عمل متعاونة. فمكننا ذلك من ترسيخ المحاضرات من ناحية، ومن إغناء معرفتنا بالمطالعات والقراءات في الكتب اللسانية الأصلية (الفرنسية والإنجليزية). وهكذا ما إن حصلنا على الإجازة حتى وجدنا أنفسنا مسلحين بما يكفي، معرفيا ومنهجيا، لخوض غمار السلك الثالث (ما بعد الإجازة) في مبحث اللسانيات. ولكن الرياح لم تجر بما كنا نشتهي فتفرقت بأغلبنا السبل.

 

في الفترة التي تحدثت عنها ظهرت مقالات ومؤلفات في النقد الأدبي أثارت زوابع وعواصف. قاد هذه الحركية نقاد وباحثون من أمثال كمال أبو ديب وعلي أحمد سعيد... ومن لف لفهما. ولم يخل المغرب من رذاذ هذا النقاش، وأذكر أن مجلة "الثقافة الجديدة" احتضنت قسطا مهما منه. هذا علاوة على ملاحق ثقافية في بعض الجرائد الوطنية.

 

كنت شغوفاً بالأدب واللسانيات في الوقت نفسه، على أنني كنت أميل إلى الدرس البنيوي للأدب. وهكذا اخترت متابعة الدراسة في السلك الثالث في اللسانيات استعداداً للدرس الأدبي. وعلى هذا النحو عمّقت معرفتي في ميدان اللسانيات على يد الأستاذين الدكتورين عبد القادر الفاسي الفهري وأحمد المتوكل من خلال محاضراتهما القيّمة، ومن خلال الاطلاع الحقيقي على المؤلفات اللسانية باللغتين الفرنسية والإنجليزية. دام ذلك قرابة ثلاث سنوات فعطفت العنان إلى الأدب. كان ذلك سنة 1983حيث اتسمت هده السنة بلقاء أستاذ جليل أدين له دينا عظيما ألا وهو الأستاذ الدكتور محمد مفتاح الذي افتتح دراسة الأدب دراسة سيميائية بكتابه "في سيمياء الشعر القديم". كانت محاضراته تغري بالإبحار في عوالم معرفية تتقاطع فيها اللسانيات بمختلف مستوياتها (الصوت، والتركيب، والدلالة)، والبلاغة الجديدة، والسيميائيات الأوروبية والأمريكية، والشعرية (البويطيقا)... والحق أني كنت مغرماً بهذا النوع من الدراسة التي تسعى إلى تأسيس "الدراسة العلمية للأدب".

 

هذا المسير كله أنتج بحثاً أشرف عليه الأستاذ الدكتور محمد مفتاح هو المنشور في كتاب "لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب". وكنت أود أن أستكمل البحث في هذا الباب بالحفر في "نظرية (نظريات) النص في علوم القرآن والنقد الأدبي العربي القديم" أقدمه لنيل دكتوراه الدولة ولكن الرياح، مرة أخرى، جرت بما لا تشتهي سفني، فاخترت اتجاها آخر.

 

كان لإجهاض هذا الأمل تأثير كبير فدام "الصمت" ثلاث سنوات (من 1991إلى 1994)، وزاد من حدة الموقف وفاة أعز أصدقائي الأستاذ الجهبذ محمد الماكري وهو في عز عطائه (صاحب كتاب "الشكل والخطاب... الصادر عن المركز الثقافي العربي 1991)، ولم أتمكن من تجاوز الصدمة إلا بعد مرور وقت غير يسير.

 

بحكم التدريس، تدريس مادة النقد الأدبي الحديث تمكنت من الاهتمام بمشكلات المصطلح في المؤلفات النقدية وكذا في معاجم المصطلح المختص في النقد الحديث. تراكمت لدي ملاحظات ومعطيات كافية لأن تكون بحثا يقدم لنيل شهادة الدكتوراه. وكان ينبغي تعميق معرفتي في علم المصطلح (المصطلحية) وفي صناعة المعجم المختص. وهكذا وجدت نفسي تارة أخرى في عالم بعض أركانه مشيّد على اللسانيات. تكونت لدي مكتبة غنية في ميداني المصطلح والمعجم مصادر ومراجع فشمرت عن ساعد الجد، وصنفت المعطيات وجلت في المؤسسات العربية المعنية بهموم المصطلح (جولة علمية طبعاً) فاستخرجت من ذلك كله أطروحة بالمعنى الفلسفي للكلمة. عرضت الموضوع على أحد رواد البحث المعجمي في المغرب الأستاذ الدكتور عبد الغني أبو العزم (صاحب المعجم الرقمي "الغني") في ربيع 1996فلقي عنده القبول. وبعون الله أنجزت البحث ونوقش في جلسة علمية ازدانت بالأساتذة الدكاترة: رشيد بنحدو وسعيد يقطين (في النقد الأدبي الحديث) ومحمد حساوي (في اللسانيات) وسعيد بنكراد (في السيميائيات) والمشرف عبد الغني أبو العزم (في المعجمية). نوقشت الأطروحة في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن زهر، أكادير يوم 27يونيو (حزيران) سنة 2000. أما عنوانها فهو "المعجمات الأدبية العربية 1974-1996: دراسة نقدية في المصطلح والمفهوم".

 

أتمنى أن تكون السطور السالفة قد أدت المراد.

 

 

ما هو سبب اختيارك لكتاب "جيمس.و.طوليفصون " لترجمته؟

 

كنت حصلت على الكتاب من أحد زملائي سنة 1993فانكببت على قراءته قراءة الراغب في الاطلاع أوّلا، ولما انتهيت من القراءة الأولى أسرني الكتاب لأسباب منها طريقة إخراجه (ينطلق من حالة معيّنة، ينتقل إلى صلب الموضوع مستثمراً الحالة المعروضة. يوثّق المواقف والآراء الواردة في الفصل المعني. يختم بالتعليق على الحالة ثم يذيّل الفصل بأسئلة تحفز القارئ على التفاعل مع الكتاب...). ومن بين الأسباب منهجية المعالجة، ورؤية طوليفصون للسياسة اللغوية. على أن أهم سبب أغراني بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية وضعية هذه اللغة في الأقطار العربية من ناحية، واشتداد النقاش في المغرب حول ما كان يسمى "المسألة الأمازيغية". وكما تعلمون فاللغة الأمازيغية هي لغة الأم عند عدد مهم من المغاربة. انقسم المهتمون بالموضوع فئتين: فئة تدافع عن أحقية اللغة الأمازيغية في الوجود في المدرسة لأنه السبيل الوحيد للحيلولة دون اندثارها، وإذا اندثرت اندثر معها تراث عظيم وركن من أركان هوية المغرب؛ وفئة ثانية تزعم أن في الأمر خطراً على وحدة المغرب، وأن مروّجي الرأي الأول منخرطون في مشروع تمزيق وحدة الوطن واعين أو غير واعين...

 

هذا هو السياق الذي جعلني أنكب على الترجمة. وكانت غايتي أن يطلع العرب والمغاربة على تجارب عدد من الأمم في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا. وفي ذلك درس بليغ، من أهم إفاداته أن المجتمع المغربي ليس الوحيد المتسم بالتعدد اللغوي، ولا بأس، من ثم، من الاستفادة من الكيفية التي عالجت بها الأمم الأخرى التعدد اللغوي، ولغة الأم...وكذا مختلف مظاهر المسألة وما يتصل بها من زاوية سياسية واقتصادية وتربوية...

 

 

وما هي الصعوبات التى واجهتك عند الترجمة؛ وهل يمكن أن نحظى بنبذة قصيرة عن هذا الكتاب؟

 

 

للكتاب صلة وثيقة باللغة، ومن هذه الزاوية لم أصادف مشكلة. أما المشكلات فمتعلقة بأسماء بعض التنظيمات والمنظمات السياسية في آسيا (الفليبين) وبعض المنظمات الحكومية والمدنية في الولايات المتحدة الأمريكية ويوغوسلافيا وابريطانيا...وكما تعلمون يحتاج الأمر إلى استشارة عدد من الموسوعات باللغة الإنجليزية أو العربية. وهذا جزء أساسي من عمل المترجم.

 

الكتاب يمكن أن نلخص سؤاله المحوري في ما يلي: "لماذا تطلب المجتمعات من أفرادها تعلم لغة ثانية من أجل الاستفادة من الثروات المادية والرمزية، والمشاركة السياسية"؟ هذا على الرغم من أن لغة الأم ليست هي هذه اللغة الثانية. علام يدل ذلك؟ ما هي خلفياته؟ وما هي نتائجه؟ عنوان الكتاب الأصلي هو:

 

Planning Language planning inequalityلصاحبهJames w.Tollefsonأما عنوانه مترجماً فهو:"السياسة اللغوية: خلفياتها ومقاصدها"؛ تقديم  الدكتور عبد الغني أبو العزم.

يقع الكتاب في 246صفحة من الحجم الكبير

 

1. موضوعه:

ما هي أسباب إخفاق ملايين الناس في التمكن من اللغات التي يحتاجون إليها لكي يعيشوا مكرّمين في عالمنا الحديث؟ وبناء عليه فهو منصب على الصراع الدائر حول التحكم في تعليم اللغة. وعلى الجملة نقول إن موضوع الكتاب يتجسد في إيديولوجية السياسة اللغوية.

 

- كيف تجعل بنياتُ سياسة التعليم اللغوي العلاقات الاجتماعيةَ والاقتصادية غير متساوية؟ تفحص فصول الكتاب العلاقة بين السياسة اللغوية والوصول إلى الثروات الاقتصادية والمؤسسات السياسية، وكذا دور اللغة في السوق العالمية وتعليمَ القوى العاملة، وتوظيف السياسة الغوية للتحكم في الهجرة.

 

- اللغة وسيلة لتقنين النفاذ إلى العمل ذي الأجر العالي. وحيثما وجب على الناس تعلم لغة ثانية للوصول إلى التعليم أو قصد فهم التكوين المقدَّم في المدرسة، كان ذلك عاملاً من عوامل خلق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية وترسيخها.

 

2. منهجه:

استقى المؤلف عدداً من المفاهيم التي تبلورت في نظرية التنظيم الاجتماعي، وهي في رأيه أقدر على معالجة عميقة لقضايا الإيديولوجية، ودور الدولة، والعلاقة بين القيود الاجتماعية والحرية الفردية. أما الأعلام الذين أرسوا أسس هذه النظرية فهم الفلاسفة والمفكرون: يورغن هابرماس و أنطوني غيدنس و ميشيل فوكو.

 

3. محتوياته:

المدخل-الفصل الأول: خصص جزء منه لبحث كيفية تأثير السياسة اللغوية في المنزلة الاجتماعية. الجزء الثاني تحديدٌ للمفاهيم الأساسية في الكتاب: السياسة اللغوية؛ النظرية الاجتماعية؛ السلطة؛ الدولة؛ الإيديولوجية؛ الهيمنة؛ العوائق البنيوية والطبقة؛ السيطرة؛ الاستغلال؛ الأقلية؛ التخطيط اللغوي.

 

الفصل الثاني: يحلل مضمرات مقاربتين مشهورتين في السياسة اللغوية، ألا وهما "الكلاسيكية الجديدة" و " التاريخية- البنيوية ". ويتضح من خلال فصول الكتاب أن الباحث يميل إلى المقاربة الأخيرة لأنها الأقدر على تحليل السياسة اللغوية من زاويتي الخلفيات والمقاصد.

 

الفصل الثالث: يبحث في تأثير السياسة اللغوية في الحصول على الشغل، والوصول إلى الثروات الاقتصادية، والسلطة السياسية. أما القطر الذي ركز عليه الفصل فهو المملكة المتحدة.

 

الفصل الرابع: في هذا الفصل مقارنة بين التغيرات الجوهرية التي لحقت دور تعليم اللغة الإنجليزية في بلدين (إيران والصين) أصابت بنياتهما الاقتصاديةَ والاجتماعيةَ تحولاتٌ كبرى. إيران أنزلت اللغة الإنجليزية من عرشها وأحلّت محلها اللغة الفارسية، فكان لهذا القرار تأثير قوي في إعادة ترتيب طبقات المجتمع: كان يحتل قيمة الهرم متقنو الإنجليزية، وبعد الثورة احتل قمته متقنو الفارسية. الصين اتخذت اللغة الإنجليزية وسيلة للتحديث، ولكن اللغة الإنجليزية –كما هي حال جميع اللغات- ليست محايدة؛ ذلك لأن تعليم هذه اللغة متصل بثقافة معينة تصدم النظام السياسي والاقتصادي الصيني. وتلك ضريبة توظيف اللغة الإنجليزية في عملية التحديث.

 

الفصل الخامس: يناقش السياسة اللغوية التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية بقصد إدماج المهاجرين إليها في سوق العمل الأمريكية. ويستخلص الباحث أن الإنجليزية المعلَّمةَ للمهاجرين تضمن لهم البقاء، ليس إلا.

 

الفصل السادس: يحلل هذا الفصل الصراع الدائر في الفيليبين حول السياسة اللغوية. ويشدد الباحث في هذا الفصل على أهمية اللغة في الصراع من أجل القضاء على اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية.

 

الفصل السابع: خصص لتأمل الجهد الذي بذل في أوستراليا ويوغوسلافيا (سابقا) في سبيل مضاعفة حظوظ وصول مختلف المجموعات اللغوية إلى الثروة الاقتصادية والمشاركة في السلطة، وذلك من خلال الاعتراف بحق تعلم لغة الأم وتعليمها في المدرسة واستعمالها في مختلف مناحي الحياة والمؤسسات.

 

الفصل الثامن: يدافع الباحث في هذا الفصل عن اقتناع مفاده أن استعمال اللغة وسيلةً للإقصاء واللامساواة مرده إلى البنيات اللاديمقراطية، ويعني بها البنيات التي لا يقيم فيها صانعو القرار اعتباراً لمن يقع عليهم القرار.

 

4. طريقته:يتسم الكتاب بميزة بيداغوجية نجملها في أنه يتصدر كلَّ فصل تلخيص يجمل ما سينكب عليه الفصل، يلي ذلك تقديم حالة واقعية تجعل القارئ يدرك أبعاد مدار الفصل، ويغنيه بأمثلة مستقاة من الإعلام المكتوب تحديداً يختمها بأسئلة غايتها الحفز على المعالجة النقدية. يذيّل الباحث كل فصل بأسئلة الغاية منها تشجيع القارئ على استثمار ما اطلع عليه في متن الفصل، وهذا يدل على أن الباحث لا يريد ممارسة الحجر على القارئ. يختم الباحث كل فصل بعناوين بعض المؤلفات ذات الصلة بمحتواه تشجيعاً للقارئ على مزيد من الاطلاع. ويمكن تسمية هذه الطريقة في التأليف: "الطريقة التفاعلية".

 

 

كيف يمكن للسانيات عموما ولسانيات النص خصوصاً أن تساهم فى نهضة العالم العربي؟

 

 

أعتقد أن الإسهام في نهضة العالم العربي ليس همّاً مباشراً في المبحثين معاً. وبناء عليه فمدخل المبحثين إلى ذلك، في اعتقادي، هو السعي إلى تغيير وعي الناس باللغة العربية وارتباط هذا الوعي بالتنمية بمفهومها الشامل. كيف يمكن الحديث عن التنمية ووضعية اللغة غير واضحة؟ بل ووضعيتها متردية في سلم اللغات الحيّة؟ البحث اللساني يمكن من وعي مواطن العطب في اللغة كما ندركها ونتصورها حتى الآن. وأساس هذا الوعي أو الإدراك أن هذه اللغة قد اكتملت منذ عشرات القرون وأنها لا تحتاج إلى تنمية أو تقوية. هي لغة موجودة في بطون الكتب التراثية بمختلف تخصصاتها.وكل ما نحتاجه هو الاطلاع على تلك الكتب وإحياء ما استعمل فيها من لغة... ومعنى ذلك أن هذه اللغة ليست كائناً حياً قابلا للتطور والتطوير. هذا الوعي يسيئ إلى اللغة العربية من حيث يعلم أو لا يعلم. اللسانيات تعني – من بين ما تعنيه- وصفاً للغة في مرحلة معينة من الاستعمال. والملاحظ أن مستعمل اللغة العربية قد أحدث تغييرات عميقة في استعمال اللغة العربية، ولكن "النظرة الكلاسيكية" الممجِّدة-المجمِّدة لا تريد الاعتراف بهذا الذي حدث، وتظل تروّج صورة متوهمَة للغة العربية غير مفيدة. ولإدراك التغيرات العميقة يكفي قراءة مؤلفات الجاحظ، ثم طه حسين، ثم أحمد سعيد (أدونيس) على سبيل المثال. وقل الشيء نفسه عن الشعراء، والروائيين، ومؤلفي المسرحيات. بل لو اطلعنا على المجلات المختصة في ميدان الحاسوب وما يتعلق به لأدركنا أن اللغة العربية المتوهَّمة لا توجد إلا في أذهان من يرفضون الاعتراف بتلك التغيرات العميقة. لقد جدت أساليب وتراكيب، وصور، وأخيلة... لم تعهدها اللغة العربية من قبل. والغالب على ردود الفعل إزاء المستجد هو الرفض؛ ومرجع الرفض هو ما كان مستعملا في قرون خلت. النهضة تحويل جوهري في العقليات والتصورات أقرب إلى الثورة منه إلى الإصلاح. وربما كان إسهام اللساني في هذه النهضة تهييئ اللغة العربية لتنخرط في عصرها، وذلك بتبسيط وصف اللغة العربية صوتاً وصرفاً وتركيباً ودلالة وكتابة.

 

أما لسانيات النص فلا تقل أهميتها عما سبق ذكره. نذكّر بداية بأن تعليم اللغة في المدارس العربية يبدأ بالحروف-الأصوات، ثم ينتقل إلى الكلمات، ثم التراكيب بمختلف أنواعها، ويتوج ذلك كله بالنصوص. المدرسة من هذه الزاوية "فضاء نصي". والمعرفة لا تُعَلّم ولا تُتَعَلَّم إلا بالنصوص. وينبغي أن نميز في ذلك بين نوعين من النصوص: الأولى مصطنعة وضررها أكبر من نفعها، ونصوص موثوقة (حِجِّية) هي التي ينبغي أن تلج المدرسة. يتضح مما سلف أن المدرسة "بحر من النصوص"، وأن تعليم التلميذ معتمد في المقام الأول على النصوص. والنص، في أحد معانيه البسيطة، "كيان لغوي" تتحكم في إنتاجه مبادئ مضبوطة. وما لم نحسن اختيار النصوص مراعين في ذلك المستوى الدراسي، وحاجات التلميذ النفسية... كان مآل جهدنا الفشل لا محالة. المدرسة بهذا المعنى فضاء يتعلم فيه الطفل أسرار إنتاج النص. وعلاوة على ذلك يتعلم التلميذ "أسرار" فهم النصوص وتفسيرها وتأويلها. لا يختلف الأمر عن تعلم مبادئ الهندسة المعمارية. وتأسيساً على ما تقدم للسانيات النص إسهام في تنظيم أساليب إنتاج المعرفة وفهمها، وربما كان هذا أحد أهم الميادين التي تشكو نقصاً لا يني يتعمق. ويمكن للعاملين والعاملات في ميدان التربية والتعليم لمس هذا النقص لدى تلاميذنا اليوم، كما يمكن لقارئ ما يُكتب في عدد من المنابر إدراكه. على أن العيب لا يكمن في من ينتجون وإنما في بنية المدرسة المعلِّمة ككل.

 

 

وهل هناك إبداع في الوطن العربي فى المجال السابق مقارنة بما لدى الأمم الأخرى؟

 

 

هناك اجتهادات محترمة. أما الإبداع فسبيله البحث العلمي. والحال أن وضعية البحث العلمي في البلاد العربية لا تسر إلا العدو.أضف إلى هذا أن البحث العلمي ليس إلا عنصراً، ولو أنه أساسي، يحتاج إلى عناصر أخرى مكمّلة. وعلى رأس تلك العناصر حرية البحث والتفكير، وإمكانيات مادية في مستوى التحديات، وتجهيزات مختبرية ووثائقية معقولة، وبنيات إدارية مرنة. والحال أن أغلب حتى لا نقول كل هذه "موضوعة بين قوسين" في البلاد العربية. على أن العنصر الأساسي، وهو الغائب الأكبر، يتمثل في "المشروع الحضاري" وفي الحد الأدنى المشروع المجتمعي المستقبلي الذي نريد أن يتجند البحث العلمي لتحقيقه. وهكذا يبدو أن الإبداع يتطلب شروطاً، وهي مع الأسف ليست متوافرة حتى اليوم في البلاد العربية. وعلى سبيل التمثيل نتساءل: ما هي الدولة العربية التي تتوفر على مشروع مجتمعي؟ مشروع قادر على تجنيد الإرادات العلمية والسياسية والاقتصادية. ولو كان هذا المشروع متوافراً ما شكا العالم العربي من أزمات مستمرة: الغذاء، الماء، العطالة، الأمية، الصحة...

 

 

تحدثت فى إحدى مشاركاتك في منتديات جمعيتنا عن "الموحَّد" و"الموحِّد" في معرض حديثك عن المعاجم، فكيف يمكن فى رأيك الانتقال من الأول إلى الثاني؟

 

 

الانتقال من الموحَّد إلى الموحِّد يتطلب العمل من أجل تحقيق شعار "الأمة العربية"، "الوطن العربي". كيف يمكن الحديث عن الموحَّد والموحِّد في ظل دول تمارس سيادتها بغير قليل من الشوفينية والتخلّف؟ لكل دولة عملة وعلم ونشيد وطني وطابع بريد وحدود وجمارك... فكيف نريد أن يكون المصطلح وحده الموحَّد في هذا المدى المتفكك؟ المفارقة أن بإمكانك اليوم السفر من أي عاصمة عربية في رحلة مباشرة إلى أي عاصمة شئت في القارات الأوروبية أو الأمريكية أو الآسيوية، ولكن هل يمكنك ذلك من مشرق الوطن العربي إلى مغربه أو العكس؟ هذا دون الحديث عن معاناة المسافر في المطارات كلها. يبدأ شعور المواطن العربي بالانتماء إلى المفكَّك لا الموحَّد بدءاً من وجوب الحصول على تأشيرة الدخول إلى "الوطن العربي" !! هذا بعض ما قصدته بالموحَّد والموحِّد.

 

ما السبيل إلى التحكم في سيل المصطلحات الأجنبية التي تنهال يوميا على المترجمين المشتغلين بالعربية والتي تضطرهم الظروف إلى وضع مقابلات لها من عند أنفسهم، علما بأن الاغلبية منهم ليسوا مصطلحيين؟

 

 

إن كان قصدكم "بالتحكم في السيل" التغلب على المشكلات المتصلة به فهذا أمر لا يعني المترجم. مهمة

 

المترجم هي أن يترجم وحسب. ولكن الوضعية الشاذة للمصطلح العربي تضطر المترجم إلى أن يكون معجمياً ومصطلحياً وفقيه لغة، وهذا ما يجعل عمله مضنياً ومحفوفاً بالمخاطر حتى لا نقول المنزلقات. هذا "السيل" العارم يدل على أن اللغة العربية في حاجة ماسة إلى تأهيل حقيقي. ودعك من حشد أسماء التفضيل من قبيل "أحسن اللغات وأجمل اللغات وأبلغ اللغات وأغنى اللغات..." إذ لا توجد لغة لا يصدق عليها عند أهلها أنها كذلك (=أحسن، أجمل...). السبيل إلى التغلب على المشكلة في اعتقادي هو إعادة النظر في تصور المؤسسات المعنية باللغة العربية عامة والمصطلحات خاصة لطبيعة المشكلة التي تواجه اللغة العربية اليوم. وذلك لأن الحلول لم تتجاوز ما اقترح منذ اتصال اللغة العربية بالثقافة الهلينية. ولنلاحظ أن منهجية وضع المصطلح تبلورت يومذاك في وضعية مريحة لأن الثقافة الهلينية توقفت عن الإبداع وإنتاج الجديد؛ ومعناه أن عدد المصطلحات وعدد المباحث الجديدة كان محدوداً. أما اليوم فالعالم ينتج ملايين المصطلحات الجديدة كل شهر، ويبدع مباحث جديدة ويفرّع الموجودة تفريعات عدة، وقس على هذا. ألا يقتضي اختلاف طبيعة المشكلة واختلاف الظرفية البحث عن أسلوب جديد؟ وهذا يتطلب تصوراً جديداً لطبيعة المشكلة من الناحيتين النظرية والمنهجية معاً.

 

 

تحدثت فى مشاركة أخرى في منتدياتنا عن أن المشكلة ليست مشكلة المصطلح فى اللغة العربية وإنما هي "تمثل المفهوم تمثلا سليما"، فكيف يمكن حل هذه الإشكالية مع مراعاة سباق المترجم مع الزمن لإيجاد المقابلات بسرعة نظرا إلى استعجال العميل (الزبون) في أغلب الأوقات؟

 

 

مشكلة تمثل المفهوم يتصل عندي بنقل بعض العلوم الإنسانية والمادية إلى اللغة العربية، وأنتم تعلمون أن هذا العمل لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخضع للسرعة، والسرعة في مثل ما نتحدث عنه تقتل. نقل العلوم معناه نقل المعرفة، فإما أن يكون النقل سليماً، وإما أن يكون معيباً. ولعل أهم أسباب كونه معيباً عدم استيعاب العلم المراد نقله. وهذا ما يؤدي إلى سوء ترجمة المصطلحات. وإذا اتفقنا على أن المصطلحات رموز لغوية تحيل على مفاهيم، وأن المفاهيم بنيات معرفية تكوّن نسقاً يحيل على علم من العلوم اتضح أن سوء فهم المفهوم يؤدي إلى خطأ فادح في استيعاب النسق كله. لا سيما وأن المفاهيم المكوّنة لنسق ما ليست جزراً مستقلة، وإنما هي حلقات في سلسلة يشد بعضها بعضاً. وهنا مربط الفرس. الدليل على أن المشكلة ليست مسألة مصطلح يجسده عدد المصطلحات المختلفة المقترحة ترجمة أو مقابلا لمصطلح واحد. أعني أن النقص ليس متصلا بالثروة اللغوية، وإنما بمدى فهم واستيعاب ما نود ترجمته ونقله إلى اللغة العربية. والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى.

 

 

هل هناك دور فعلي يمكن للترجمة أن تؤديه في الحوار بين الثقافات؟

 

أجيب عن سؤالكم بطريقة غير مباشرة أوّلا: الترجمة محرك من محركات الثقافة أياً كانت لغة تلك الثقافة. وكل ثقافة لا تجدد نسغها بالترجمة ثقافة آيلة إلى الزوال لا محالة. الترجمة وسيلة لسقي الثقافة واللغة بدماء جديدة. وهل من ثقافة أو لغة راغبة في الحياة تفعل ذلك مستغنية عن الترجمة؟ الحوار عبر الترجمة يعني معرفة الآخر في بعض أو في شتى صوره. ولما كان الآخر غير ثابت إلا في مخيلاتنا فإن الترجمة هي السبيل الأمثل لمعرفة الصور التي يتقلب فيها. الحوار لا يتأسس على التمثل الجامد للآخر. العربي اليوم ليس هو العربي في العصر الأموي بل في عصر محمد علي. الأوروبي اليوم في الألفية الثالثة ليس هو الأوروبي في عهد الأمبراطوريات الكبرى. هذه التحولات لا يمكن فهمها واستيعابها إلا بوساطة الاطلاع على فكر الآخر اليوم وأمس. خذ مثالا واحداً: الزواج المثلي في أوروبا يصدم العربي ، التضحية بالنفس في صورة تفجير الذات حقيقةً واقع يصدم الأوروبي اليوم. لماذا؟ لأن هناك نقصاً في معرفة الآخر من ناحية، ولأن ثقافة كل من المتزوج بمثيله والمفجر ذاته ثقافة تفصل بينها قرون. يختزل العربي الأوروبي في الشاذ المتهتك، ويختزل الأوروبي العربي في الإرهابي المتعطش للدماء. لماذا؟ الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي تسويد مئات الصفحات بدءاً من عصر الاستكشافات الكبرى حتى يومنا.

 

غير أن الترجمة ذات نفع عظيم في تبديد كثير من الأوهام بين الأفراد والشعوب والأمم. ولعمري إنها مهمة جليلة.

 

 

يتعمّد بعضهم القول إن اللهجات ستحل يوما محل اللغة العربية الفصحى في بلدان المغرب.العربي لأنها استفحلت وعمت واحتضنها الناس واستأنسوا بها، والسبب هو انعدام الإرادة السياسية... ونعلم أن فرنسا التي منعت استعمال اللهجات المحلية في وسائط الإعلام مثل "البروفنسيال" و"الباسك" و"البروتون”... لتحافظ بذلك على اللغة الفرنسية الفصحى، وقد حافظت عليها بالفعل بواسطة تعميمها عبر وسائط الإعلام والمدارس والجامعات والإدارات، فكيف يمكننا، بدورنا، أن ننتهج هذا المنهج لنعيد للغتنا الفصحى رونقها لأنها ثروة يجب الافتخار بها والحفاظ عليها مع تعزيز استعمالها حتى لا نفسح المجال أمام المتربصين بنا لكي يتدخلوا في شؤون المنطقة بحجة الحفاظ على الأقليات اللغوية؟

 

 

بادئ ذي بدء لا يمكن الحديث عن بلدان المغرب الكبير كما لو كانت كياناً واحداً متجانساً. إن كنتم تعنون باللهجات ما يصطلح عليه في المغرب والجزائر باللغة الأمازيغية فالجواب أننا نعيش في عالم مغاير لما كان سائداً في الماضي. الوضعية اللغوية في المغرب مركّبة، يتواصل الناس بلغتين: 1) الأمازيغية؛ 2) الدارجة المتفرعة عن اللغة العربية؛ وهناك مجموعات تفضل التواصل باللغة الفرنسية لغرض في نفس يعقوب. أما اللغة العربية فهي لغة المدرسة العمومية والمساجد والمحاكم والمؤسسات المنتخبة، وجزء من وسائل الإعلام.الدستور المغربي أقر في ديباجته أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في المغرب. ولكن اللغة الرسمية الحقيقية في المغرب هي اللغة الفرنسية. وهذا الواقع متصل بقوة المجموعة المهيمنة على الاقتصاد المغربي التابع للاقتصاد الفرنسي. هذه وضعية شاذة ولكنها تترجم موازين القوة بين الناطقين باللغة الفرنسية والناطقين باللغة العربية.

 

أما بخصوص اللغة الأمازيغية فما ينبغي أن نعرفه في المقام الأول هو أن المغرب يضم أكبر تجمع سكاني يتحدث اللغة الأمازيغية لغةَ أم. ومن الناحية الجغرافية هؤلاء الناطقون بها يتوزعون على امتداد التراب المغربي من الشمال القريب من أوروبا حتى الجنوب المطل على موريطانيا، ومن الشرق حتى الغرب. ومن الناحية التاريخية الأمازيغ لم يتحدثوا اللغة العربية قبل مجيئ الإسلام، وبعد مجيئه كانوا من أشد المنافحين عنه، ومن أشد المتمسكين بلغته، بل إن بعض مناطقه الأمازيغية تعد من الناحية التاريخية أشد معاقل اللغة العربية قوة وازدهاراً. فقد كان الفقهاء والعلماء في تلك المناطق يدرّسون المتون العربية باللغة الأمازيغية.

 

اللغة الأمازيغية عنوان من عناوين هوية المغاربة، ولقد عانت من تهميش كبير، وعانت ثقافتها من ازدراء ومضايقة حقيقين. اليوم قررت الدولة المغربية بعد تنامي المطالب المتصلة بالأمازيغية لغة وثقافة الاعتراف بضرورة تجاوز الوضع السابق ومن ثم الإقرار بأن الهوية المغربية متعددة الأبعاد أمازيغية وأفريقية وعربية إسلامية. وترجمة ذلك أنها هوية متعددة المكونات، وينغي للدولة الديمقراطية أن تعترف بهذا التعدد والتنوع الذي كان وما زال يعد مصدر قوة، لا سبب ضعف. ولأن من محددات الديمقراطية حق الاطلاع على المعلومات بلغة الأم قررت الدولة أن تؤسس قناة تلفزية ناطقة بالأمازيغية، كما قررت منذ سنوات تدريس اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية. على أن الأمور لا تسير دائماً كما يشتهي ربان السفينة.

 

أعتقد أن المشكلة الحقيقية في المغرب هي اللغة الفرنسية، لا اللغة الأمازيغية. وينبغي أن نميز في هذا الصدد بين رغبة المغاربة في المصالحة مع تاريخهم وواقعهم، وبين حشر فرنسا أنفها في ما يحدث. وأنا أومن بأن للمغاربة شأناً في التعامل مع فرنسا. وأن لهم من الوعي ما يكفي للتصدي لمشاريع فرنسا، وهي معركة ليست هينة ولا بسيطة. ولا بد من التذكير بأن فرنسا الدولة كانت من أشد المقاومين لقانون أوروبي يفرض على الدول الأوروبية المنتمية إلى "المجموعة الأوروبية" الاعتراف بلغات الأقليات، وضمان موقع لها في المدرسة، فليعتبر المعتبر. تعارض فرنسا لغات الأقليات في ترابها وتنافح عنها في بلدان أخرى. على الرغم من أن مفهوم "الأقلية" لا يمكن أن يصدق على الناطقين بالأمازيغية في المغرب.

 

أما بخصوص الجزائر فلا يمكنني الحديث عنها لأنني لا أتوفر على المعطيات الموثوقة التي تمكنني من الإدلاء برأي في شأنها.

 

 

وهل مردّ تأخر هذا المبحث العلمي إلى تنافس بين المشرق والمغرب وما بينهما ومحاولة كل طرف منهما فرض رؤيته على الآخر؟

 

 

التنافس بين المشرق والمغرب أمر مستحب إن كان محركه البحث عن الأصلح والأسلم، أما إن كان محركه الجغرافيا فحسب فتباً له من تنافس! الرؤية لا تفرض بالقوة أو التحايل، وإنما تفرض بالصلاحية والمصداقية. أنا أعتبر هذا النوع من التفكير ضرباً من الوهم الذي لا تعززه الوقائع. لقد استفدنا في مغرب الوطن العربي من إنتاجات المفكرين والأدباء والعلماء المشارقة استفادة جلّى، بل تجاوزت الاستفادة هذه المجالات إلى الميادين الفنية كالمسرح والسينما والغناء والطرب... هل يمكن أن يدعي المشرق امتلاكه الحصري لمفكرين أمثال محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان وطه حسين وعلي عبد الرازق وسلامة موسى وقاسم أمين وحسين مروة ... أو فنانين أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وفيروز ومارسيل خليفة والشيخ إمام... وفنانين أمثال دريد لحام وعادل إمام وأحمد زكي وعمر الشريف... أم أن بإمكان المغرب العربي ادعاء الامتلاك الحصري لمفكرين أمثال محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن وعبد الله العروي والطاهر لبيب...؟ ماذا نقول اليوم عن مفكرين وأدباء وعلماء وفنانين ينتمون إلى الخليج العربي؟ هل ينبغي تجاهلهم؟ هل ينبغي حصر صوتهم في الخليج العربي وحده؟ وفي هذا الخليج أصوات قادمة سيكون لها شأن في القريب من السنين.أعتقد أن مسألة فرض الإرادة أمر وهمي أكثر مما هو واقعي. الوضع السليم في اعتقادي يكمن في الاعتراف بأن الاستفادة متبادلة وهكذا ينبغي أن يكون الوضع السليم.

 

 

هل لمبحث المصطلحات دور فى تعزيز حوار الثقافات؟

 

أعتقد أن قراءة الحوار كله يجيب عن هذا السؤال بالتقسيط. ولكن بإمكاني المجازفة بالقول إن العمل المصطلحي ذو طبيعة تقنية في بعض وجوهه بينما حوار الثقافات عمل ذو طبيعة فكرية وفلسفية، ومن ثم فحوار الحضارات أعم من مبحث المصطلحات. نحن لا نتحاور بالمصطلحات ، وإن كان لهذه دور في إيصال الأفكار بوضوح، وفي تلقيها بوضوح أيضاً؛ الحوار يتم على أساس وزن الأفكار ونخلها ونقلها أو تناقلها، وبناء عليه تعديلها أو تثبيتها في ضوء الحوار وتلاقح الأفكار.

 

 

ما هو وضع اللسانيات ووظيفتها فى اللغة العربية، وما قيمتها لشعوبنا؟

 

سؤالا الوضع والقيمة سبقت الإجابة عنهما. أما الوظيفة فهي جعل متكلم اللغة العربية وكاتبها وقارئها يعي لغته في ضوء أفكار مستجدة من حق اللغة العربية كغيرها من اللغات أن تستفيد منها. وظيفة اللسانيات أن تجعل التفكير في اللغة أغنى مما سبق، وذلك بفضل النظريات المستحدثة. وظيفتها تحرير "التفكير اللغوي" من اجترار ما ثبت تقادمه وعدم صلاحيته إلا في التأريخ لما كان عليه التفكير اللغوي يوماً ما. وظيفة اللسانيات بناء نحو واضح أنيق منسجم شامل لظواهر اللغة العربية باستعمال التفكير العلمي، وباستثمار معطيات الفكر اللساني الحديث. لا يمكن تصور اللغة العربية لغة ذات خصوصية مطلقة تجعلها غير قابلة للخضوع لقواعد الفكر اللساني. من المؤكد أن بعض المؤلفات التي تسمي نفسها لسانية ليس لها من اللسانيات إلا الاسم. من المؤكد أن مؤلفات أخرى تستغل رأس المال الرمزي لهذا المبحث لتحقق ربحاً متوهماً، ولكنها تسيئ إلى المبحث واللغة العربية معاً. بيد أن هذا كله ليس مبرراً لإدارة الظهر للسانيات. هذا المبحث وليد تحولين وقعا في تصور اللغة أولهما أنجزه اللساني السويسري فردينان دو سوسير (إقامة الفرق بين الدراسة التطورية والدراسة التزامنية؛ ثلاثية الدليل والدال والمدلول...)، والثاني أنجزه اللساني الأمريكي نوعام أفرام شومسكي (البنية العميقة والبنية السطحية، النحو الكلي، إخضاع التفكير اللساني لشروط صياغة النظرية في الفكر العلمي الحديث، وجوب صياغة القواعد صياغة صورية واضحة خاضعة لمبادئ الصياغة الصورية). ربما كان جانب النقص في العمل اللساني الحديث –في اللغة العربية- يكمن في غياب اللسانيات الاجتماعية؛ ويمكن أن يضاف إليه النقص الحاصل في اللسانيات النفسية، وقل الشيء نفسه عن السانيات الحاسوبية... وهذا نقص قابل للاستدراك. وربما أسهم في "نسيان" هذه الأبعاد سيادة تصور محدد ضيق للسانيات يختزلها في مجموعة من الخطاطات والتشجيرات...

 

 

لعل من أبرز ملامح أزمة اللسانيات العربية الانفصال القائم بين النظرية والتطبيق، فما رأيكم حيال ذلك ولماذا تكثر الكتابات النظرية ويغيب الجانب التطبيقي؟

 

 

في رأيي أن الإجابة تقتضي سوق توضيحات. لو حاولنا تقدير عمر اللسانيات في الجامعات العربية لانتهينا إلى أنه لا يتجاوز في أحسن الأحوال ثلاثة عقود؛ وفي بعض الجامعات لا تكاد تعثر لهذا العلم على أثر بله وجود. إذا أضفنا إلى هذا أن عدداً من الراغبين في الربح ألّفوا كتباً لم تزد وضعية اللسانيات إلا تعقيداً انتبهنا إلى أن الضربات الموجعة توالت على هذا العلم من كل جانب، ومن ثم لم يعد القارئ بقادر على التمييز بين جيد البضاعة اللسانية ورديئها. أما إذا أضفت إلى ذلك التشويش المستمر على جدة العلم بادعاء وجود كل ما يأتي به اللسانيون من نظريات في التراث العربي اكتملت عندك صورة الوضع ورداءته. من سوء حظ اللسانيات –أو حسنه- أن اللغة العربية تتوفر على تقليد عريق في باب وصف اللغة العربية، وربما انتبه الفطِن إلى تعدد تلك الأوصاف وتنوعها، واجتهاد اللغويين والبلاغيين العرب القدامى فتراكمت بذلك آراء بعضها سديد وبعضها غير ذلك. هذا التقليد يمارس جاذبية على الباحث، ولكنه في الوقت نفسه يمارس عليه نوعاً من التعمية. في اعتقادي أن دخول اللسانيات إلى المجال العربي لم تسبقه أو لم تواكبه مؤلفات تمهيدية وتعريفية وتبسيطية تستوعب النظرية اللسانية باعتبارها علماً يلتزم ببنود إنتاج العلم، لا باعتبارها تعبيراً عن رؤى أو شطحات ذات طبيعة تأملية. العائق الثاني يمثله الاعتقاد السائد بأن اللغة العربية توجد في بطون الكتب، لا في أقلام مستعمليها وألسنتهم فسادَ الظن بأن وصفها انتهى، وما علينا سوى حفظ ألفية ابن مالك، وأخذ اجتهادات ابن هشام بعين الاعتبار، وإذا شئنا التعمق صرفنا عنان الاهتمام جهة كتاب سيبويه. كان على اللسانيات إذن أن تقاوم على جبهات متعددة، وهي ما زالت علماً غضاً طري العود في الجامعات العربية. تقاوم الرفض المطلق لأنها علم دخيل في رأي بعضهم، وتقاوم المؤلفات المتسرعة التي تستسهل التأليف في هذا العلم، وتقاوم مشكلة معقدة يعكسها السؤال: ما هي اللغة العربية؟ أعني المعطيات التي يجب وصفها، وينطبق عليها أنها اللغة العربية. هل هي لغة الشعر الجاهلي؟ هل هي لغة الإعلام؟ هل هي لغة المؤلفات الإبداعية الحديثة؟ ...الخ. أعتقد أن هذه المشكلات هي العائق الحقيقي، أما طغيان الكتابات النظرية وندرة التطبيقات فتلك مسألة فرعية يركب "ظهرها" الراغب في أن يوصف بأنه لساني، وما هو بلساني.

 

وإذا شئنا التعميم قلنا إن من بين مظاهر النقص في البحث العلمي في الوطن العربي تناسي البعد التطبيقي أو التطويري، أعني البحث من أجل الإسهام في حل مشكلة أو مشكلات بعينها في مجتمع الباحث. وفي اعتقادي أن هذا التوجه هو الذي يمكن أن يمنح البحث العلمي امتداده العملي. إن البحث التطبيقي ضروري، وربما قلنا إنه مبرر البحث الأساسي. المعرفة اللسانية ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة للإجابة عن أسئلة يطرحها الواقع اللغوي للغة ما. على أن من بين أسباب غلبة الجانب "النظري" السعي الحثيث إلى إكساب اللسانيات موطئ قدم في "التفكير اللغوي" العربي الذي يكاد يجعل التطابق تاماً بين اللغة العربية والنحو العربي (نحو سيبويه وغيره من النحاة). أما المؤلفات اللسانية حقاً فتنطلق من إشكالات قائمة في اللغة العربية، وتجتهد في الوصف، وفي إبراز خطل الوصف السابق أو ثغراته، ومن ثم تقدم الوصف الأنسب.

 

 

كيف السبيل إلى صناعة معجم عربي حديث بمصطلحات حديثة؟

 

لا سبيل إلى ذلك إلا تحديد الحقل المعرفي الذي تنتمي إليهالمصطلحات، وتحديد كمّ المصطلحات، وتحديد المراجع مقالات ودراسات وأبحاثاً مختصة... وتسجيل تعريف المصطلحات المعنية في جذاذات ثم تدوين ذلك في كتاب. أما الخطوة اللاحقة فهي تحديد نوع ترتيب المصطلحات: تريب مفهومي أم ألفبائي؟ ثم تحديد بعض الاختيارات الأساسية ومنها نوع القارئ الموجه إليه المعجم: هل هو التلميذ، أم الطالب أم الباحث أم القارئ العادي؟ ثم إخضاع تعريف المصطلحات لخطة موحّدة قدر الإمكان، والانتباه إلى أن القارئ يفترض لدى المعجم معرفة أعلى من معرفته ولذا يستشيره في كل ما استعصى عليه فهمه من الناحية المصطلحية-المفهومية. هذا دون إغفال ما يجب على محرر المعجم أن يلتزم به من خلوّ لغته من الأخطاء أياً كان نوعها.

 

من بين الأمور التي ينبغي، في اعتقادي، احترامها التمييز بين المعجم والموسوعة، وتجاوز الرغبة في تأليف معجم مختص يضم "كل" مصطلحات العلم الواحد، وهذا أمر مستحيل التحقق. إذ كلما نحا المعجم نحو تحديد مجاله باختيارات منهجية، لا كمية، كانت فرص نجاحه أكبر. والحال أن عدداً لا يستهان به من معاجمنا المختصة لا تلقي بالا إلى هذه "الالتزامات"، ولهذا ينصرف عنها القارئ غير نادم.

 

خذ مثال المعاجم الموحّدَة التي يصدرها مكتب تنسيق التعريب، هل هي معاجم حقاً؟ إنها قوائم مرتبة ترتيباً ألفبائياً تفيد المترجم، ليس إلا. هب أن معجمياً شاء الاستفادة من تلك المعاجم الموحّدَة وذلك بتضمين معجمه اللغوي العام ألفاظها. هل يمكنه فعل ذلك؟ نظن أنه مستحيل، وذلك لسبب بسيط هو أن المعاجم المعنية خالية من تعريف المصطلحات الواردة فيها. وهذا الواقع يوجب عليه البحث في المعاجم الأجنبية المختصة عن التعريف ثم نقله إلى اللغة العربية إن شاء إدراجه في معجمه العام. وها أنت ترى ما في ذلك من العناء. لذا قلنا إنها قوائم ألفاظ خاصة، لا معاجم مختصة. هذه حال مؤسسة عربية فما بالك بحال المؤسسات القطرية؟

 

صانع المعجم ليس واضع مصطلحات، صانع المعجم مهمته في جميع الثقافات جمع مصطلحات حقل معرفي معين، وترتيبها وتعريفها التعريف الذي ارتضاه المختصون في ذلك الحقل بدون زيادة أو نقص. له حق الاجتهاد في صياغة التعريف ليستوفي الشروط اللازمة له. هناك حالات استثنائية لا يمكن أن تحل محل القاعدة. خذ مثال عالمي السيميائيات اكريماص وكورتيس: لقد ألفا معجماً سيمياياً نسقياً وضعا جل مصطلحاته، وأعادا تعريف عدد من المصطلحات المتداولة وفق ما تقتضيه النظرية التي سعيا إلى تأسيسها، واستبعدا عدداً من المصطلحات بل والحقول (مثل البلاغة الجديدة، والشعرية، والأسلوبية، وسيمياء المسرح...) التي لا تنضبط لحدود نظريتهما. أما سبب اختيارهما هذا الإجراء بدل غيره فيسوغانه برغبتهما في توجيه التفكير السيميائي وجهة علمية، بل التأثير في هذا التفكير؛ فاقتنعا بأن "أسرع" وسيلة تحقق مرادهما هي تأليف معجم سيميائي يحدد مفاهيم مصطلحات الحقل، بدل الانكباب على تأليف كتاب قد يستغرق وقتاً طويلا، وقد لايكون تأثيره حاسماً. يتضح من هذا المثال أن الفرق واضح بين تأليف معجم مختص وصناعة معجم مختص. التأليف نادر، أما الصناعة فكثيرة.

 

 

أتساءل عن إصرار بعض الجامعات العربية على جعل البحث في الترجمة لا يكون إلا من باب اللسانيات مع الاعتراف بالعلاقة الوثيقة بينهما، لكن أليس هذا من شأنه خنق البحوث الترجمية عوضا عن إفساح الطريق لها للمضي في مسالكها الشديدة التخصص قُدما؟

 

 

أرى أن ذاك الإصرار وراءه نزعة هيمنية اتهمت بها اللسانيات أطلق عليها النزعة الأمبريالية، وهي منها بريئة. اللسانيات علم آلة بالقياس إلى الترجمة، ولا ينبغي لها أن تتجاوز ذلك إلى التحكم في الترجمة من حيث هي سيرورة معقدة. اللسانيات علم مفيد في إنارة طريق المترجم أو على الأصح بعض مسالك المترجم، أما أن ندعي "إشراف" اللسانيات على عملية الترجمة أو الترجمة جملة وتفصيلا فذلك ضرب من التحكم الذي يمجه العلم. لا ريب في أن المترجم المطلع على الأعمال التطبيقية في اللسانيات أقدر من صاحبه غير المطلع على تمثل البنى والأساليب والتراكيب... ومن ثم على إنتاج ترجمة أوفى وأنقى... ليس مطلوباً من المترجم أن يكون لسانياً ليكون مترجماً، لأن الترجمة أوسع من أن يحتويها جلباب اللسانيات مهما اتسع ! وكل محاولة تسعى إلى ذلك تنبئ عن إدراك قاصر للترجمة واللسانيات معاً. هذا علاوة على أن المشكلات التي تتصدى لها اللسانيات مختلفة عن المشكلات التي تتصدى لها الترجمة. اللسانيات وصف علمي للغة ما، والترجمة نقل معرفة قيلت بلغة إلى لغة أخرى. ومن ثم فبؤرة اهتمام اللساني  لغة بعينها، وبؤرة اهتمام المترجم مزدوجة كلعبة كرة المضرب ينتقل وعيه وإدراكه من لغة إلى أخرى. اللساني باحث مستقر بينما المترجم باحث مسافر على الدوام، وشتان بين المسافر والمستقر. العبارة الأخيرة ينبغي فهمها فهماً مجازياً، لا حقيقياً. وبعبارة أخرى نقول اللسانيات جسر بين المتكلم ولغته، والمترجم جسر بين قارئ وثقافة أخرى. وهنا يكمن الفرق.

 

 

ألا يمكن في عالم المصطلح اتخاذ قاعدة جديدة باسم: "سبق السيف العذل" لاعتماد المكافآت المصطلحية الشائعة بالفعل في مجالات معينة والتي قد تفتقر إلى الدقة أو الصحة اللغويتين أو كليهما، لتوفير بعض الجهود الضائعة في نحت مصطلحات لن يقبلها أحد لتعودهم على غيرها؟

 

 

أنبه بداية إلى أن عدد المصطلحات التي اقترحت لها مقابلات نهائية منذ بداية رواجها في اللغة العربية قليل. أما ما يحدث واقعياً فهو التعريب بل التدخيل ثم يصار إلى ترجمة المصطلح بعبارة أو مركب وصفي أو إسنادي إلى أن يعثر على لفظة واحدة تلقى القبول من خلال الرواج في سوق الكتابة والاستعمال جملة. المترجم يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، هو موزع بين وجوب سرعة الإنجاز ووجوب استيفاء شروط صياغة المصطلح في اللغة العربية وبها. وفي جميع الأحوال ليست مهمته صياغة المصطلح أو إيجاده إلا عرضاً، قد يصيب وقد يخطئ وفي كلتا الحالتين لا يمكن مؤاخذته على ما أتى، لأن التقصير يوجد في مكان آخر. وفي هذه الحالة مطلوب من المترجم أن يتحرى الدقة ما أمكنه ذلك وإلا فلا تثريب عليه. أنا ممن يفضل استعمال الشائع على الرغم من عدم "لياقته"، في انتظار اللائق.

 

 

ما السبيل الى منع السيف من سبق العذل والبديهي أن العالم والمترجم المتخصصين في مجال علمي معين يطلعون على الجديد في العالم قبل الغالبية العظمى من أساتذة الاصطلاح، أهي ضريبة التأخر العلمي الذي نعيشه متطفلين على اكتشافات وابتكارات الغرب؟

 

 

هذا جزء من تلك الضريبة فحسب.

 

وأخيرا تتلخص رؤية جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات فى تحقيق التعارف بين الشعوب، ورسالتها في تعزيز حوار الثقافات بواسطة الترجمة من العربية وإليها فهل لديكم نصائح تسدونها إليها لكي تحقق هذه الرسالة وتلك الرؤية؟

 

 

لا أدعي القدرة على ذلك. كل ما أطلبه من الجمعية وأعضاء الجمعية هو الاستمرار في الغيرة على اللغة العربية، وهم لذلك فاعلون وسيفعلون. أدعو لكم بالتوفيق كله.

 

 
cialis naiselle 
vardenafil mg médicament 
comprar viagra generico en españa 
viagra generico nas farmacias 
viagra 50 mg 
viagrasoft 
cialis holland 
cialis vente belgique 
viagra kaufen in deutschland 
viagra prix viagra 
levitra generika nebenwirkungen 
viagra rezeptpflichtig 
viagra se compra con receta 
koop viagra online 
precio farmacia viagra 
viagra sur paris acheter cialis 5mg viagra non generique acheter tadalafil achat tadalafil angleterre cialis generique 10mg buy viagra acheter kamagra a paris kamagra belgique viagra ordonnance viagra en ligne france sildenafil generique exp clinic viagra vente cialis générique acheter kamagra en france