يسر جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات أن تنشر على مراحل رسالة الماجستير التي أعدها الأستاذ رضا زلاقي البشير وتشكر الأستاذ الكريم خالص الشكر على اختياره الجمعية لنشر علمه وتعميم الفائدة
وزارة التعليم العالي والبحث العلمي
جامعة الجزائر
كلية الآداب واللغات
قسم اللغة العربية وآدابها
الصَّوَامتُ الشَّديدَةُ في الْعَرَبيَّة الْفُصْحَى
**دراسة مخبرية**
مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها
تخصص الدراسات اللغوية النظرية
إعداد إشراف
رضــا زلاقـي د.خولة طالب الإبراهيمي
د.عبد المجيد سالمي
السنة الجامعية 2005-2006
إهــــداء
إلى روح والدي الكريم: تغمده الله بواسع رحمته.
إلى الأم الغالية: متعها الله بالصحة والعافية ...
وإلى كل من يشعل شمعة ..بدل أن يلعن الظلام...
* أهدي ثمرة هذا العمل *
* شكر وتقدير*
** أحمد الله تعالى العلي القدير على أن وفقني وأعانني على إتمام هذا العمل من غير حول مني ولا قوة ، فهو الذي له الفضل أولا وأخيرا..
** كما أتوجه بشكري الجزيل إلى أستاذي الفاضل "عبد المجيد سالمي" الذي رافقني طيلة هذا العمل بالنصيحة والتوجيه والإرشاد..
** وشكر خاص إلى أستاذتي الكريمة " تسعديت حاوش " التي كانت لي خير معين في هذا البحث..
** كما لا أنسى الدكتورة " خولة طالب الإبراهيمي " التي قبلت الإشراف على هذا الموضوع، وكان لها فضل توجيهي إلى تناوله..
**وأشكر المهندس "عمار" والأستاذ "هارون الرشيد" اللذين ساعداني بدورهما في إتمام هذه الدراسة..
**وثناء كبير لكل من مد لي يد العون والمساعدة في هذا العمل، ولو بكلمة طيبة..
مقدمة
حظي الدرس اللغوي في العصر الحديث بالكثير من الفحص والدراسة والتحليل، بمناهج جديدة تختلف عموما عما كان سائدا في الدراسات اللغوية القديمة، فاللسانيات الحديثة تتناول اللغة بالدراسة من مستويات أربعة :هي المستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والنحوي، ثم الدلالي ..
غير أننا إذا ما نظرنا في هذا الكم الهائل من الدراسات اللغوية، وخاصة تلك التي تتعلق باللغة العربية، وجدنا جل البحث والتأليف في الجوانب النحوية أو الصرفية أو الدلالية، وأقله في الجانب الصوتي للغة، مما جعله في حاجة إلى المزيد من الدراسة والبحث، إذ لا تزال الكثير من قضاياه غامضة مجهولة، ونحن في أمسّ الحاجة إلى تفسيرها وتحليلها، وهذا مما يدعو إلى الاهتمام أكثر بدراسة الصوتيات، لأجل خدمة هذا الجانب المهم في دراسة اللغة.
وعلى هذا تناولنا في هذا البحث الذي بين أيدينا طائفة من الأصوات العربية بالدرس والتحليل، قصد وصفها وصفا علميا صحيحا، وبيان دقائق الفروق بينها، وتفسير هذه الفروق... ، ولأنه من غير الممكن أن نصف الأصوات الوصف الجيد من غير اللجوء إلى الوسائل العلمية الحديثة التي تقلل من هامش الخطأ وتؤمن لنا الدقة المطلوبة، فإن هذه الدراسة تطلبت أقصى ما يتاح من وسائل تقنية لذلك.
وقبل الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، نظرت في بعض ما كُتب من دراسات في وصف الأصوات، حيث وجدت أن هذا الجانب طُرق منذ القديم في تراثنا اللغوي العربي، فعلماء العربية القدامى تناولوا الجانب الصوتي للغة في وقت مبكر جدا من دراساتهم اللغوية، وخاصة علماء القراءات القرآنية وأحكام التجويد، وذلك من خلال الجهود التي بذلوها في وصفهم للحروف، وتحديدهم لمخارجها، وما يؤثر فيها من تجاور وغيره ...
وانطلاقا مما سبق، أردت تعميق البحث في هذا المجال، فتناولت مجموعة من الصوامت العربية هي الصوامت الشديدة (أو الانفجارية كما يسميها بعض الدارسين المحدثين) بالتحليل والدراسة العلمية المخبرية، بما يتاح من سبل لذلك.
وبدأت بالتعريف بعلم الأصوات، ومختلف جوانبه وقضاياه، مرورا بوصف هذه الصوامت كما جاء عند العرب القدامى، لنتمكن فيما بعد من المقارنة بين أهم ما توصلوا إليه من خلال وصفهم، وبين ما يقرره الدارسون المحدثون في هذا الجانب.
أما عن دوافع وأسباب اختيار هذا الموضوع، فترجع أساسا إلى شغفي بتتبع الجوانب العلمية الدقيقة في مجال الدرس اللغوي، وخاصة تلك التي تتعلق بالأصوات. ومن مطالعاتي الخاصة وجدت في ثنايا العديد من الكتب مباحث متنوعة عن هذا النمط من الدراسة.
وكان علي أن اختار طائفة من الأصوات لدراستها، إذ لا يمكن في مثل هذا البحث أن تُدرس جميع الأصوات، فاخترت منها مجموعة تتميز بصفة مشتركة هي الشدة (الانفجار) وبمخرج واحد هو النطع ، لأن صفة الشدة من أبرز السمات التي تتحدد بها الصوامت، وتتميز على أساسها، وبما لها من آثار فيزيولوجية وفيزيائية واضحة.
وعموما كانت الدوافع التي حملتني على اختيار هذا الموضوع عديدة أهمها:
1- تعلقي وشغفي بهذا النوع من العمل الذي يتم بالدقة العلمية، والتجربة الحية.
2- محاولة مني لإبراز أهمية العمل المخبري في مجال الصوتيات، وفائدته في الدرس اللغوي عامة .
3- قلة الأبحاث المتخصصة في هذا الجانب من الدراسة، والتي -إن وجدت- لا تعدو أن تكون نقلا عما قاله اللغويون والقراء الأوائل في مجال الدرس الصوتي.
4- قلة أبحاث الماجستير في الدراسات الصوتية في جامعاتنا.
5- أكثر مطالعاتي في الجوانب الصوتية للغة عموما وفي الصوتيات خصوصا.
ومما لاشك فيه، أن دراسات سابقة عديدة قد تطرقت إلى هذا الموضوع، نذكر منها في الدراسات القديمة وصف الخليل للأصوات في "معجم العين" الذي رتبه على أساس صوتي، وكذلك ابن جني من خلال كتابيه "الخصائص" و"سر صناعة الإعراب"، وابن الجزري في "النشر"، وسيبويه في "الكتاب" وغيرهم ...
تعرض هذه المؤلفات لوصف الأصوات العربية من حيث مخارجها وصفاتها، وما يعرض لها من تغير وتبدل، بسبب التجاور، وكيفيات الأداء، وغير ذلك.
وفي الدراسات الحديثة نجد كمال بشر في "علم الأصوات"، ومحمد علي الخولي في "الأصوات العربية"، وعبد القادر عبد الجليل، وإبراهيم أنيس، في كتابيهما المختلفين واللذين حملا عنوانا واحدا هو "الأصوات اللغوية"، وسعد مصلوح في "دراسة السمع والكلام"، ومحمد صالح الضالع في "الصوت البشري"، وغيرهم مما علمت ومما لم أعلم.
غير أن أغلب هذه الدراسات لم تكن خاصة بهذا الموضوع تحديدا، وإنما كانت تتعرض له بالذكر فقط في بعض أبوابها وفصولها، وتشير إليه بصورة إجمالية .. ولذلك حاولت -قدر المستطاع- أن أجعل عملي مركزا في معالجة بعض الإشكاليات المحدودة، منها ما يتعلق بالدرس الصوتي القديم، ومنها ما يتعلق بالدرس الحديث بما جد فيه من قضايا وأساليب، ومناهج وطرق بحث متعددة.
ولقد أردت من خلال هذا البحث أن ألقي الضوء ولو على جانب يسير من الموضوع، وأن أجيب عن المسائل الآتية:
1- ما الأهمية التي تكتسيها الدراسة العلمية المخبرية للأصوات العربية ؟ وما فائدتها في المجال الصوتي؟
2- بم يتحدد ويتميز كل صامت من الصوامت الشديدة في دراسات العرب القدامى؟ وباستعمال الدراسة المخبرية الحديثة؟
3- ما الفروق الدقيقة بين الصوامت الشديدة التي قد تبدو متماثلة في كثير من الخصائص، وهي في الحقيقة مختلفة ؟
4- كيف وصف العرب القدامى الصوامت الشديدة ؟ وهل استطاعوا أن يصفوها وصفا علميا دقيقا؟
5- إلى إي حد وفقوا في ذلك؟
وبناء على هذا، جعلت عملي منصبا فيما يلي:
1- النظر في وصف العرب القدامى للصوامت الشديدة، قصد المقارنة بالنطق الحديث المجسد في نماذج مختارة ومدروسة.
2- دراسة الصوامت الشديدة مخبريا، وكما تنطق حديثا في اللغة العربية الفصحى، حسب النماذج المختارة.
3- بيان دقائق الفروق بين هذه الصوامت من جهة، وبين نظيراتها الموصوفة قديما.
4- الاعتماد على مناهج البحث المناسبة لكل فصل في هذا الموضوع .
وقد تطلَّبَ موضوع هذا البحث في طُرق دراسته وأساليبها منهجا خاصا يناسبه، يتباين هذا المنهج ويتغير بحسب طبيعة المحور المطروق في كل فصل، وقد جاء هذا البحث في أربعة فصول رئيسة تغطي مجمل نقاطه.
وقد استُعمل في الفصل الأول والذي عنون بـ : "مفاهيم أساسية في الصوتيات" المنهج الوصفي غالبا، لأن هذا الفصل يتشكل أساسا من معلومات أولية هامة في الدرس اللغوي، لا تتطلب أكثر من نقلها نقلا صحيحا مع الوصف، وتفسير ما أُبهم منها، وما استعصى عن الفهم.
وهذا الفصل – وما أشبهه – أساسي في كل بحث يتعلق بالدرس الصوتي ، لأنه يقدم أساسيات علم الأصوات، والتي بدونها لا يمكن أن يُفهم باقي البحث فهما جيدا.
أما الفصل الثاني والذي عنون بـ : "الصوامت الشديدة عند العرب القدامى"، فيتطلب المنهج الاستقرائي غالبا، لأننا بصدد تتبع آراء العرب القدامى الصوتية، ومحاولة الإحاطة بوجهات نظرهم حول الموضوع المدروس.
وتكمن أهمية هذا الفصل في حاجتنا إلى معلوماته التي تُستعمل في عملية المقارنة والموازنة بين وصف العرب القدامى والمحدثين.
واستُعمل المنهج التجريبي في الفصل الثالث المعنون بـ : "الدراسة المخبرية للصوامت الشديدة"، والذي نبدأ فيه بتعريف أهم الأجهزة المخبرية اللازمة في الدرس الصوتي، وطرائق عملها ، وتبيان مجالات استخدامها في الموضوع.
ونستطيع بواسطة المنهج التجريبي أن نختبر كل صامت من الصوامت المدروسة على حدة، ونحدد مخرجه وصفاته بناء على ذلك، باستعمال أجهزة المخبر التي تقلل من احتمالات الخطأ، وتدقق الوصف والتشخيص، وهذا الفصل أساس البحث كله، لأن النتائج المستخلصة منه هي الوصف الحقيقي للصوامت الشديدة كما تنطق الآن في اللغة العربية الفصحى، وكذلك تُستعمل هذه النتائج في المقارنة بين هذه الصوامت قديما وحديثا.
أما الفصل الرابع الذي يحمل عنوان (الصوامت الشديدة بين وصف القدامى والمحدثين)فقد استعمل فيه المنهج المقارن، والذي يمكن بواسطته أن نوازن بين ما وصل إليه العرب القدامى، وبين ما وصل إليه المحدثون.
وتكمن أهمية هذا الفصل في أنه يمكِّننا من معرفة مدى دقة العرب القدامى في الوصف والتشخيص، ومعرفة ما حصل من تغيير وتبدل في الأصوات اللغوية عبر المراحل الزمنية المختلفة، وكذا بعض اللهجات في نطق الحروف عند العرب ...
ويمكن أن نلخص الأهداف المرجوة من خلال هذا البحث فيما يأتي:
1- خدمة الجانب الصوتي من اللغة العربية وإثراؤه، وبيان ما تفردت به هذه اللغة في هذا الجانب.
2- إحياء التراث الصوتي اللغوي العربي وربطه بما جد في العصر الحديث.
3- بيان أهمية العمل المخبري وضرورته، وطرقه ووسائله في الدرس الصوتي.
4- إبراز جهود العرب القدامى الكبيرة في خدمة الدرس الصوتي.
وقد واجهتُ العديد من المصاعب في هذا البحث، تتعلق بندرة المراجع التي تتناول الدراسة المخبرية للأصوات وقلتها، وكذا مشكلة العثور عن الأجهزة المخبرية التي تستعمل في الدراسة الفيزيائية أو الفيزيولوجية، وذلك بسبب ندرة المخابر الصوتية في جامعاتنا، ولكن ذلك لم يمنع من الاستمرار في العمل، وخاصة في جانب الدراسة الفيزيائية، لمّا توفرت البدائل عن الأجهزة المخبرية، وهي برامج الحاسوب الحديثة التي وضعت خصيصا لمثل هذه الدراسة، فتمّ العمل بها، وإني لأرجو أن أكون قد وُفقت في هذا البحث وأجبت عن إشكالاته ولو بشكل جزئي، وأن يكون فيه شيء من الفائدة لمن يطالعه من الطلبة وغيرهم.